ينفرد «بيت بيروت» بموقع استراتيجيّ على خط التماس بين «الشرقية» و«الغربية». تحاكي جدران المبنى وأعمدته القديمة ذاكرة الحرب ومآسيها. آثار الرصاص و«الندوب» لا تزال هنا. لذلك، وعلى قاعدة «تنذكر ت ما تنعاد»، رُمّم المبنى مؤخراً، عملاً باتفاقية بين بلديّتَي بيروت وباريس.

أخذت بلديّة بيروت على عاتقها تحويل البيت إلى «متحف ومركز ثقافي ومُدني»، مع الإبقاء على واجهة المبنى القديمة... للذكرى. غير أنّ من يقصده اليوم، بعد الترميم، لا يرى من ذاكرة بيروت الـ75 إلّا الواجهة المؤلفة من قناطر تصارع الحداثة من حيث الشكل الخارجي، إضافة الى غرف الطابق الأول التي بقيت كما هي من الداخل، والسلالم الأساسية للمبنى التي هدّمها المسلحون الذين استولوا عليه خلال الحرب. ما عدا ذلك، لا شيء. فالجزء الأكبر من «بيت بيروت» صار عبارة عن مبنى جديد ملاصق للقديم، يتألّف من 11 طابقاً «للدلالة على الحداثة في بيروت في فترة ما بعد الحرب»، كما تقول المهندسة المعمارية منى الحلاق.
الشكل الجديد الذي اكتسبه «البيت الأصفر» الذي كان ملكاً لعائلة بركات سابقاً، لم يترافق مع إطار تشغيلي جديد. هذا ما تؤكّده الحلّاق، وهي التي نجحت في الحفاظ على المبنى الأثري وحمايته من الهدم بعد حملة استمرّت 15 عاماً. «لم يفتتح المبنى كمتحف، وبلدية بيروت والمحافظ هما المسؤول الأول والأخير عن ذلك»، تقول الحلّاق، مضيفة أنّ «البيت يجري استخدامه حالياً من أجل المعارض والندوات التي تقام خارج الرؤية الشاملة للمتحف ومن دون خطّة ثقافية». بمعنى آخر «أحسن ما يضلّ مسكّر». وهذا ما لم يعجب محافظ مدينة بيروت زياد شبيب الذي تساءل عن مفهوم الحلّاق للمتحف: «شو يعني الذاكرة؟ بتفوتي بتشوفي دماغ؟»!

أكد شبيب أن هناك مشروعا لإقامة مطعم في المبنى!


هذا الخلاف على المفهوم يجعل البيت اليوم مجرّد مكان للعرض. لإقامة الندوات والفسحات الفنية التي يكون أغلب المشاركين فيها، عادة، من «النّخبة والمثقّفين». وهي مشاركات تدّر على خزينة بلدية بيروت أموالاً كثيرة. والدليل؟ ايجار الطابق الواحد لإقامة معرض فني مثلاً تبلغ 300 دولار أميركي في اليوم، في حين أنّ كلفة الـAuditorium حيث تقام الندوات ألف دولار. هذا «النظام» الذي يدار فيه «بيت بيروت»، يضعه في خانة الإستفادة منه مادياً، إضافة إلى تقسيم اللبنانيين طبقياً. وهنا، قد نفهم مثلاً عبارة «هالأماكن مش إلنا»، التي قالها فارس، متحدثاً عن محاولته زيارة المبنى مرات عدة من دون أن يتمكن من الدخول إليه. يقول الشاب إنه «يسمح بالزيارة حصراً حين تنظّم الندوات والمعارض التي تستمر لساعات محدّدة». أمّا السائحة الأجنبية آنجيلا، فقصدت «البيت»، وعادت أدراجها بعدما فوجئت بالباب مقفلاً!
لماذا لا يسمح للناس بالدخول الى «البيت»؟ وما هي العقبات التي تعيق افتتاحه كمتحف لذاكرة بيروت؟ كذاكرة متبقية من الحرب التي جرفت كل شيء؟ ولخدمة ماذا توظّف عائدات النشاطات التي تقام به؟ لا إجابات. فمحافظ بيروت الذي يفترض أن يجيب عن تلك الأسئلة امتنع عن تقديمها، مكتفياً بـ«الدردشة» خارج السياق. أما قصة «تسكير» البيت أمام العامّة، فتعود إلى بضع سنوات، عندما «كسر أحد السوّاح قطعة أثرية خشبية أثناء دخوله، فجنّ جنون المحافظ»، يقول أحد القيّمين على حراسة المبنى. منذ ذلك الوقت، أصدر المحافظ قراراً بمنع دخول أي كان «إلا بعد الحصول على موافقة منه».
يبرّر شبيب القرار بتكلفة البيت «التي تخطّت العشرين مليون دولار، لهيدا السبب لازم نحافظ عليه». يستطرد «بعدين في زيارات ولقاءات، والدليل روزنامة المعارض مفوّلة». يعني «الإطار الفنيّ موجود».
أما الجزء الناقص، وهو الهدف الذي أعيد تشكيل البيت من أجله، والتي اختصرها شبيب بـ«أن يصبح مكاناً للإلتقاء والحوار بين اللبنانيين»، فهذا الأمر «لم يتحقّق حتى الآن رغم أنّه معدّ لذلك». وعلى هذا الأساس، هو «مشغّل بشكل جزئي». يتحدّث شبيب عن نواقص أخرى في المشروع، هي قيد التنفيذ في المراحل المقبلة. هذا ما يعد به، مشيراً الى «مشروع تجهيز مطعم في المبنى، ليس من المفروض أن يكون استثمارياً، ولكنه ضروري ليكون المكان مجهّزاً بشكل كامل أمام الزوار».
ما يعد به شبيب هو تكملة لتحويل البيت من مركز ذاكرة إلى قاعة خاصة. إلى مكانٍ يدرّ أرباحاً كثيرة. على شاكلة ما صارت عليه ساحة البرج التي صارت مع «سوليدير» ملكاً خاصاً وفقدت مكانتها كمركز لقلب العاصمة. هكذا، بات «بيت بيروت»، أو «البيت الأصفر» أو «مبنى بركات»، يفقد، شيئاً فشيئاً، وظيفته كشاهدٍ على الحرب البشعة ليستحيل «بزنس» يدرّ أموالاً ستصرف في جيوبٍ ما.