لم يُقفل ملف مهجري الحرب الأهلية بعد. بقاء وزارتهم، في حدّ ذاته، يشكّل واحداً من المخلّفات الباقية للحرب، إلى جانب تحوّلها مزراباً لهدر المال العام وشراء الولاءات السياسية. المعنيون في الوزارة يقولون إن إقفالها متوقّف على تأمين الإعتمادات المالية اللازمة للتعويضات العالقة. لكن ذلك ليس أكيداً. إذ أنها باتت واحدة من الحصص التي يتقاسمها سياسيون لم يُعرف عنهم سهولة التخلي عن «المكاسب».

تصغر وزارة المُهجّرين اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989 بأربعة أعوام. قبل نحو أربعة أشهر، أتمّت الوزارة التي أُنشئت لضمان عودة مُهجّري الحرب الأهلية الى مناطقهم، عامها الخامس والعشرين... ولمّا يعد المهجرون، أو كثيرون منهم، بعد. يقول مسؤولون فيها إنها عملت طوال هذه السنوات على «إزالة ذيول الحرب الأهلية». لكنّ بقاءها، في حدّ ذاته، بمثابة «تذكار حي» على «استمرار» الحرب.

(هيثم الموسوي)

«آن الأوان لإقفال وزارة المهجرين». كان لافتا أن يخلص المدير العام للوزارة أحمد محمود إلى هذه النتيجة، قبل أن يستطرد: «ولكن، بعد إنجاز بعض البنود العالقة». يؤكد محمود لـ«الأخبار» أن أكثر من 90% من المهمات التي أُنشئت الوزارة من أجلها أُنجزت. الحديث، هنا، يدور عن إخلاء بيوت من مُحتلّيها ورفع أنقاض وإعادة إعمار وتأمين بنى تحتية لقرى شهدت دمارا كاملا، وإجراء مُصالحات بين تلك التي شهدت حوادث عنيفة ومذابح بين أهلها. أنجزت الوزارة إخلاء نحو 100 ألف عائلة من بيوت كانت تحتلها، وترميم نحو 45 ألف منزل، ورفع أنقاض 33 ألفاً وإعادة إعمار نحو 24 ألفاً. بعد ربع قرن، هناك اليوم 13 منزلا فقط لا تزال مُحتلّة! فيما نحو 58 ألفاً رُمّمت على نفقة أصحابها الذين لم يحصلوا حتى الآن على تعويضاتهم. تأمين الاعتمادات المالية لهذه التعويضات المقدرة بنحو 350 مليار ليرة واحد من البنود التي «العالقة». علماً أن التعويضات، بحسب محمود، «زهيدة، لأنّ تخمين أسعار كلفة الترميم والاعمار تستند الى تلك التي كانت سائدة في التسعينيات». وثمة بندٌ ثانٍ يتعلّق بـ«حلّ ملف فروع العائلات» الذي يقضي بتأمين مساكن لأبناء «المُهجّرين الأصليين». والهدف منه «السعي الى عودة أكبر عدد من السكان الذين هُجّروا من مناطقهم عبر تأمين وسائل لتشجيع فروعهم على العودة». تُقدّر كُلفة حلّ هذا البند بنحو 400 مليار ليرة.
أمّا البند الثالث العالق فيتمثّل بتأمين الاعتمادات المالية لاستكمال دفع تعويضات قرى المُصالحات. نحو 28 مُصالحة، أجرتها الوزارة منذ نشأتها شملت عقد لقاءات بين اهالي القرى المتقاتلة واعادة اعمار دور العبادة فيها للدلالة على اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل الحرب. إلا أن كثيرين لم يعودوا الى قراهم واستقرّوا في الاماكن التي هُجّروا اليها. مسؤولية الوزارة، وفق القيّمين عليها، تقتصر على إعادة إعمار منازل المهجرين والعمل على تحصين عودتهم عبر تأمين المصالحات والأجواء الكفيلة بشعورهم بالأمان، «إلا أنه ليس من مسؤوليتها إجبارهم على ترك منازلهم التي استقروا فيها بعد الحرب وفضلوا البقاء فيها لأسباب كثيرة، اقتصادية واجتماعية ونفسية.
متى توافرت الإعتمادات المالية اللازمة لهذه البنود الثلاثة انعدمت الحاجة الى الوزارة، بحسب مديرها العام. لكن العارفين يؤكدون أن تأمين الأموال «يستلزم إرادة سياسية بإقفال باب من أبواب التنفيعات التي يتقاسمها سياسيو هذا البلد».

الصندوق «الأسود» للمهجّرين
فعلى مرّ سنوات طويلة، تحوّل صندوق المهجرين (أُنشئ في 4/1/1993) الى «باب» لهدر المال العام ووسيلة لنهب حقوق المُهجّرين. اتهامات عدة سيقت ضدّ عدد من المؤتمين على الصندوق تُرجمت بقرارات قضائية في حق بعضهم بجرم نهب المال العام والاختلاس. وهي ممارسات ما كانت لتجري لولا «حماية» الجهات السياسية النافذة التي استخدمت الصندوق لشراء الولاءات السياسية. فيما تحوم شبهات حول التعويضات واستنسابية توزيعها على المتضرّرين.
2400 مليار ليرة أنفقتها الوزارة في ربع قرن لم تعدُ كل المهجرين


منذ تاريخ إنشاء الصندوق صدر قانونان فقط لتمويله: القانون الرقم 333 (18 أيار 1994) بنحو 813 مليار ليرة، والقانون الرقم 362 (16 آب 2001) بنحو 300 مليون دولار أميركي (450 مليار ليرة). يوحي محمود بأن القانونين «اليتيمين» لا يكفيان لعودة المهجّرين. لكن ثمة من يتساءل حول كيفية صرف نحو 2400 مليار منذ إنشاء الوزارة وسبل صرفها.



6 مليارات ليرة موازنة الوزارة
استحدثت وزارة شؤون المهجرين بموجب القانون رقم 190 في 4/1/1993، على أن تتألّف من جهاز تنفيذي له ملاك مؤقت، وتُنظم جميع الأحكام التي ترعى شؤونه الإدارية والمالية بمرسوم يتخّذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير شؤون المهجرين. لدى الوزارة نوعان من الموازنة؛ تشغيلية وتلك التي ترتبط بالتمويل الذي يحصل عليه صندوق المهجرين، وإدارية تشمل رواتب الموظفين وكلفة ايجار المبنى والقرطاسية وغيرها وتُقدّر سنويا بنحو ستة مليارات ليرة. ما يعني أن مجموع موازنات الوزارة منذ 25 عاما بلغ 150 مليار ليرة.