شهد لبنان أحداثاً سياسية وتاريخية كبرى، عبّر فيها أهل بعلبك ــ الهرمل عن التزامهم وانغماسهم العميقين بقضايا المنطقة والاقليم. كان ذلك مطلع القرن الماضي تحرراً من جور السلطة العثمانية، وتمسكاً بالهوية العربية الجامعة.

سنة 1925 طاردت القوات الفرنسية التي احتلت لبنان، الثائر الجنوبي أدهم خنجر، من الجنوب اللبناني الى بيت سلطان باشا الأطرش في جبل العرب في سوريا، ولما تمكنت منه، أحرق سلطان باشا منزله بصرخة مدوية «المنزل الذي لا يحمي نزيله النيران أحق به». كانت صرخة جبل العرب تلقى صداها، ثورةً في دمشق، بقيادة عبد الرحمن الشهبندر وابراهيم هنانو، وفي الساحل السوري بقيادة صالح العلي، وفي البقاع بقيادة توفيق هولو حيدر.
يومها، لم يقل أهل هذه المنطقة العزيزة ما لنا ولسوريا، بل قالوا هل نبتعد عن سوريا، في وقت يقترب منها الخطر؟
وبسبب من هذا الوعي بالانتماء ووحدة المصير، زخرت المنطقة بالمناضلين والشهداء من كل العائلات والعشائر ممن ذادوا عن حياض المنطقة والأمة. ولعل أبلغ تعبير عن التصاق أهلنا بقضايا الأمة استشهاد النقيب في الجيش اللبناني محمد زغيب في معركة المالكية في فلسطين سنة 1948. ومنذ الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، تتواصل قوافل المجاهدين من القوى الوطنية، وتالياً من حركتي أمل والمقاومة الإسلامية باتجاه الجنوب المحتل في استمرار لذلك الانتماء الأصيل، وتعبيداً للدرب الذي اختطه الأوائل.
سنة 1958، لا ينسى أهلنا كيف كانت بلدة عرسال المجاهدة خلال الوحدة المصرية السورية، ممراً للسلاح الآتي من سوريا الى ثوار لبنان في وجه مؤامرة كميل شمعون منعاً لإلحاق لبنان بركب الأحلاف الغربية. عرسال بلدة المناضلين والشهداء على طريق فلسطين، أُريدَ لها في الآونة الأخيرة أن تغير بوصلتها وجلدها، لكنها بقيت عصية على التطويع الداعشي، فصبرت الى أن جاء رجال المقاومة والجيش اللبناني يفكون أسرها ويعيدونها الى الحرية، ويعيدون أهلها إلى أراضيهم ومزارعهم ومصدر عيشهم.
هل انحسر عصر الأحلاف الغربية عن بلادنا؟ أم أن المؤامرة ما زالت على نهجها بوتيرة متزايدة؟ وهل البقاعيون معنيون بما يجري الآن من تهديدات وتحديات؟
حين وضع البقاعيون صور جمال عبد الناصر في قلوبهم قبل بيوتهم، اعتبروا أنفسهم جزءاً من معركة المواجهة على مستوى الأمة، وحين يرفعون اليوم صور السيد حسن نصرالله في كل بيت وشارع ومفترق طريق، فلأن سماحته وجد طريقه إلى قلوبهم، كأهل انتماء والتزام، ولأنهم وجدوا فيه البوصلة الصحيحة والصادقة على مفترق طرق الأمة.
ما يوضح طبيعة هذه الإنتخابات وطبيعة هذه الاصطفافات هو ما يقوم به الفريق الآخر من ممارسات ومواقف وتصريحات، تجلت بزيارة السفراء والقناصل إلى المنطقة لأغراض معروفة، جعلت المتردد يقول: الى الصناديق.
هاني سليمان