منذ ايام والمنطقة منشغلة بأجواء الحرب فيها، وقد انطلق كل من فك الحرف بالأجنبية وقرأ مقالة او تحليلا مترجما احيانا ـــ بسبب عدم إجادته اي لغة اجنبية ـــ في مجلة او صحيفة أميركية في إظهار عبقريته في التنبّؤ بما سيفرزه العقل الأميركي على قياس «عقل» الرئيس ترامب وبهوراته، وهو الذي اعتقد للحظة ما ان أميركا لا تزال زعيمة العالم، وان لا منازع لها، في حين أفصح الدكتور زبيغنيو بريجنسكي، احد كبار اساتذة الاستراتيجيا في العالم والذي رافق الرؤساء الاميركيين، وخصوصاً الرئيس جيمي كارتر شريكه في إقحام الاسلاميين في أفغانستان في الحرب ضد الروس هناك، والتي لا يزال العالم يعاني تبعاتها ـــ تنظيم «قاعدة» من هنا، ودولة إسلامية من هناك ـــ أفصح هذا المخطِّط الجهنمي عن نظرية نصح بها الأميركيين، بعد إسقاط الأتراك طائرة حربية روسية فوق الاراضي السورية، ان يكون موقفهم «حربجياً» في دعم تركيا ولكن من دون ان يؤدي ذلك الى حرب في المنطقة تتواجه فيها اساطيلها وطراداتها وطائراتها مع ما يقابلها من صواريخ روسية وإيرانية من شأنها تحويل كل المواقع والقطع الحربية في المنطقة إلى هدف «مشروع» للصواريخ.


سياسة تدمير الدول
ان أميركا الحالية، في نظر بريجنسكي، دولة ضعيفة عسكرياً وفي غنى عن حرب لا يريدها الشعب الأميركي. وأودّ ان أشير هنا الى ما رواه روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي، في مذكراته «الواجب» أنه كرئيس لجامعة دعي الى تولي منصب وزير الدفاع في عهد الرئيس اوباما، وقد قبل المنصب من اجل إخراج الجيش الأميركي من المستنقع العراقي وإعادة الجنود الى اهاليهم. وهو أفشى سرّ قبوله المنصب برواية قصيرة مؤداها، أنه عندما عُرض عليه الانتقال من الجامعة الى البنتاغون استمهل العارضين ٢٤ ساعة للإجابة، فتوجه الى أحد المطاعم لتناول العشاء وحيداً والتأمل في العرض. وبينما هو في المطعم مستغرق في التفكير، دنت منه سيدة جليلة وقالت له إنها قرأت في احدى الصحف انه مرشح لمنصب وزير الدفاع، لذلك سمحت لنفسها بأن تتوجه اليه لتطلب منه قبول المنصب من اجل إعادة اولادها الجنود الثلاثة من العراق أحياء، وأنها في المقابل ستصلي له حتى ينجح في مهمته. وسرّ غيتس بأنه قبل المنصب من اجل تلبية طلب الأمهات الأميركيات اللواتي كنّ ينتظرن عودة أبنائهن احياء من العراق.

تشدد استراتيجي لا حرب مجنونة
وبالرجوع الى بريجنسكي الذي نظر الى خطورة إقدام الادارة الاميركية الضعيفة عسكرياً، حيال القوتين الروسية والصينية اللتين كسرتا الاحادية في شقيها السياسي والعسكري، على عمل متهور، نصحها بما سمّاه «التشدد الاستراتيجي»، اي التظاهر بالقوة دون التهور، وهذا ما ضمنه كتابه «رؤية استراتيجية». والذين التقوا امس في البيت الأبيض ـــ ونصفهم بل اكثر هم تلاميذ بريجنسكي ـــ للبحث في الخيارات المتاحة في سوريا حيث تتواجه أميركا مع قوتين لا يمكن تجاوزهما في اي خيار يتخذ، أياً تكن طبيعته، وأعني بهما روسيا وإيران في الدرجة الاولى واللتين تعتبران في موقع القادر على اصطياد الاميركيين بحراً وبراً وجواً ـــ هؤلاء حفظوا الدرس جيداً. وقالوا لترامب المستعجل ضرب سوريا وروسيا وإيران «كرامبول» بالصواريخ «الذكية»، قالوا له: مهلاً، لا تكرر ما اراده ديك تشيني نائب الرئيس بوش في حرب تموز ٢٠٠٦، وهو المتهم بأنه وراء خطة تسريح الجيش العراقي، على ما كشف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع آنذاك في مذكراته، وتدمير ذلك البلد إرضاءً لإسرائيل، عندما اقترح في اجتماع لمجلس الامن القومي اثناء تلك الحرب في يوم أحسّت فيه تل ابيب بعد «مجزرة الميركافا» في وادي الحجير بدنو هزيمتها، أن تطلب أميركا من اسرائيل إنهاء «حزب الله». فتصدت له وزيرة الخارجية آنذاك كوندوليزا رايس قائلة: «هذا يعني أنك تريد قتل أميركا». وقد أوردت ذلك في مذكراتها «لا شرف أسمى»!
لذلك نرجو المخططين والمحللين، وحتى المنجمين، انتظار ما سيؤول اليه «التشدد الاستراتيجي» الأميركي حيال مسألة قد تتحول حرباً يرفضها الشعب الأميركي بغالبيته الساحقة، بشهادة واحد من اهم القادة العسكريين الاميركيين، الكولونيل اندرو باسيفيتش ـــ أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة بوسطن وحامل دكتوراه في التاريخ من جامعة برنستون ويدرّس حاليا في جونز هوبكنز، وهو من القادة الذين شاركوا في الحرب في فيتنام ـــ وقد ندّد بسياسات اللجوء الى السلاح عند اول تحد او اهتزاز، من دون ان يكون هناك امل في الفوز بأي منها، وخصوصا في «الشرق الأوسط الأكبر» حيث دمر الأميركيون، من أفغانستان حتى العراق، بلداناً كانت عامرة وقتلوا مئات الألوف من رجالها ونسائها وأطفالها، فضلاً عن تشريد الملايين من ابنائها كما في سوريا حيث انخرط البنتاغون منذ عام ٢٠١٢ في دعم «القاعدة» والاخوان وسائر الإرهابيين، استنادا الى وثيقة سرية كشف عنها مدير الاستخبارات العسكرية مايكل فلنت، قبل قدومه مع ترامب الى البيت الأبيض ثم خروجه منه، وفيها ان أميركا كانت تخطط مع الإرهابيين لإقامة إمارة في الشرق السوري تضغط على الأسد للتنحي. وقد اثار رفع السرية عن الوثيقة ضجة كبيرة في واشنطن، وجرى تطويق فلنت اعلامياً ولم يبق سوى «الجزيرة» ليفضح السياسة الاميركية عبرها. وقد عرضت الوثيقة عام ٢٠١٤ وتحدثت عنها فوق اكثر من منبر.
يقول باسيفيتش: «منذ الحرب العالمية الثانية لم يقتل اي جندي اميركي، ولكن منذ انتهاء الحرب الباردة فتحت أميركا حروبا جديدة من اجل الشرق الأوسط الأكبر. وبدل ان تأمل الناس بسلام واستقرار، حصل النقيض: حرب دائمة او حروب مفتوحة لا نهاية لها، فكانت النتيجة: لم ننتصر، ولا نحن في طريق الانتصار».
وتساءل: «ماذا كان الهدف من الاستعمال المفرط للقوة؟»، وأجاب: «اعادة السلام الى المناطق المضطربة، ونشر الديموقراطية، ونجدة المتضررين واغاثتهم، وحماية الأبرياء»، ليستنتج: «ان أياً من هذه الأهداف لم يتحقق».
وثمة اجماع بين الخبراء على الا تكرر أميركا حروبها الخاسرة وتكتفي بالتشدد المفضي الى التفاوض لا الى المواجهة، وخصوصا ان هناك في البيت الأبيض من لم ينس عبارة الرئيس اوباما في حديثه مع الصحافي مايكل بلومبرغ انه تعرّض لـ«فخ» من وزير الخارجية ومسؤول في مجلس الامن من اجل ضرب سوريا على خلفية سلاح كيميائي لم تثبت مسؤولية دمشق عنه.
فمهلا علينا من نار الحروب التي قد لا يسلم منها احد، بمن فيهم الذين يحمّون أكفهم اليوم، هنا وهناك وهنالك، للتصفيق لضرب سوريا، فيما العدو يقتل بالرصاص الحي الأطفال والرجال والنساء في غزة من دون ان يرف جفن لأحد من الذين يتسابقون لتدمير ما بقي فيها من عمران.