تدهور في دينامكية الدين العام، المتوقع أن يلامس 180% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2023. استنفاد السياسات النقدية والهندسات في اجتراح الحلول لاستدامة النمو المتدني بطبيعته. عجز في ميزان المدفوعات. خسائر مهمة للمصرف المركزي نتيجة السياسة الحالية لدعم الليرة. إدمان على التدفقات النقدية للمغتربين. تبعية بين القطاع المصرفي والدولة... هذه العوامل كلّها دفعت الى عقد مؤتمر «سيدر» (باريس- 4). ولكن، لفهم هذا المؤتمر وأهدافه الفعلية علينا التفتيش عن سياسة دعم الليرة أو العجز في ميزان المدفوعات. إن الاعتماد على سياسة نقدية، كحلٍّ أحادي لاجتراح حلول ابتكارية لمعضلة هذه العناصر المذكورة، استُنفد مع الوقت، ووجدت الدولة نفسها أمام حل يسمح لها بشراء المزيد من الوقت، على المدى القصير، بانتظار تدفق إيرادات ومداخيل النفط المرتقبة خلال عام 2026، أو الإيرادات المرتقبة من إعادة إعمار سوريا. هذا هو المنطق الاقتصادي الذي يقف خلف «سيدر».

3 مليارات دولار

هي القيمة التقديرية السنوية للمداخيل والإيرادات النفطية الصافية للدولة (83 مليار دولار على 25 سنة)، السؤال كيف للحكومة أن تسدّد الدين العام من مداخيل تقدّر بـ3 مليارات فيما خدمة هذا الدين تتجاوز 5.8 مليار اليوم؟


في السياسات الاقتصادية، تتناوب السياسات المالية، الضريبية والنقدية، على دورات اقتصادية كاملة للتحفيز وضمان استدامة النمو على المدى الطويل. من المعروف أن السياسة النقدية ما هي إلا سياسة ظرفية تلجأ إليها السلطات لاستيعاب الصدمات على المدى القصير، وذلك عن طريق الأداة التقليدية المتمثّلة بسعر الفائدة. ولكن بعد أزمة 2008، تحوّلت هذه السياسة إلى هيكلية كالسياسة المالية، وباتت تمتدّ على دورة اقتصادية كاملة، نتيجة غياب البدائل، ونظراً إلى ارتفاع المديونية العامة لدول OCDE. إن لجوء هذه الدول (آنذاك) إلى أسواق المال للاستدانة، وتطبيق سياسة مالية توسعية، تهدف الى الاستثمار في البنية التحتية، كما فعلت الولايات المتحدة عام 1930 لتحفيز العمالة والنمو، يمثل خطراً فعلياً على الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي على المدى الطويل. لذلك، فضلت هذه الدول إطالة عمر السياسة النقدية لشراء الوقت، ومن ثم إلحاقها بسياسة ضريبية كما حدث في الولايات المتحدة عام 2017 (كثير من الاقتصاديين يعتبرون أن الدين العام ليس بمشكلة تهدد اقتصاديات الدول. هذا الكلام ينطبق على الدول الصناعية، حيث الاقتصاد مدعوم بالإنتاج وليس بالاستدانة كما هو الحال في لبنان).

السياسة النقدية الأطول في العالم
واظب المصرف المركزي في لبنان، خلال ربع القرن الأخير، على تطبيق سياسة نقدية (هي الأطول في العالم)، طابعها أحادي، وهدفها دعم سياسة تثبيت الليرة وتأمين السيولة بالعملة الأجنبية للدولة اللبنانية. هذا كلّه في ظلّ غياب تام للسلطات المالية، وكأنها تخلّت عن واجباتها بوضع سياسات مالية موازية للسياسة النقدية بهدف تحفيز العمالة والنمو على المدى الطويل. أرخت السلطات المالية المسؤولية عن كاهلها، وأخذ المصرف المركزي زمام المبادرة، وبدأ رحلة تكبّد الخسائر بتطبيق سياسات تقليدية تارة، عن طريق رفع أسعار الفائدة، أو غير تقليدية، عن طريق هندسات مالية، كدعم الفوائد على القروض العقارية لتحفيز الطلب الخارجي، أو عن طريق هندسات مالية مع البنوك، أو دعم القروض للشركات الصاعدة لدعم الاقتصاد المعرفي، أو هندسات مالية مع وزارة المال لتسييل سندات خزينة بالدولار، وآخرها كان العودة الى الأدوات التقليدية برفع أسعار الفائدة بعد فشل السياسات السابقة في تحقيق نتائجها المرجوة (في ظلّ أزمة احتجاز الرئيس سعد الحريري نهاية 2017). كلّ هذه السياسات والهندسات، التي أرهقت خزينة الدولة بمليارات الدولارات، كانت ولا تزال تتمحور حول هدف واحد، هو استقطاب النقد الأجنبي لدعم سياسة تثبيت الليرة، بغية تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز ثقة المستثمرين. إذا، هي دوامة مرهقة ومكلفة للاقتصاد الوطني.
هذا الصراع الأخير لجذب النقد الأجنبي، سببه سياسة الاقتصاد الريعي القائمة على تفضيل قطاع الخدمات على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى. أدت هذه السياسة مع الوقت إلى تدهور العجز في الميزان التجاري إلى مستويات لا يمكن دعمها (insoutenable). فقد بلغ حجم الاستيراد ما يقارب 82% من مجمل الاستهلاك اللبناني (هذا الرقم تم احتسابه من جداول وزارة المال لعامي 2016 و2017, على الشكل التالي: 100% مجمل الإستيراد - الآلات 6% - أحجار طبيعية 6% - نفط يدخل في الصناعة 4% - مواد أولية 2%)، هذا الأمر أدى إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية، والعجز في ميزان المدفوعات، وتزايد الضغوط على المصرف المركزي لتأمين السيولة اللازمة بالعملة الأجنبية... كل ذلك، في ظلّ غياب تام لسياسة مالية أو ضريبية داعمة للعمالة والنمو (لأن ليس من وظيفة السياسة النقدية تحفيز العمالة والنمو المستدام)، على الرغم من وجود المواهب واليد العاملة الكفوءة والمهنية. هنا أيضاً، فشلت الدولة في استغلال رأس المال البشري وتوظيفه في دعم الاقتصاد المعرفي، الذي يدرّ على الاقتصاديات مليارات الدولارات تمكّن لبنان من سد العجز في ميزان مدفوعاته بسهولة. هذا النظام الجديد (التكنولوجي) يقوم على خلق شركات ابتكارية صاعدة، التي غالباً ما تخلق ديناميكية نمو سريعة جداً يتم من خلالها جذب الاستثمارات الأجنبية من الخارج. هذا النظام يدرّ المليارات على الأنظمة الاقتصادية التي تطبّقه. حاول مصرف لبنان عبر التعميم رقم 331 تقديم قروض مدعومة للشركات البحثية الصاعدة. ولكن الزبائنية في خلق منصات استثمارية (plateformes)، وضعف الخبرة في التحكيم في عمل الشركات التي تستحق القروض، أفشلا المشروع من مضمونه ولم يؤتِ ثماره. وكما العادة، فضّلت السلطات اللبنانية تصدير اليد العاملة الكفوءة إلى الخارج طمعاً منها في جني النقد الأجنبي السريع المرسل إلى لبنان، بدلاً من استثمار هذه الكفاءة في الاقتصاد الوطني، والتي تؤتي ثمارها على الأجل الطويل. لكن الوضع المأزوم للمالية العامة والإدمان على المال الطازج لعبا دورهما في تفضيل الحلول القصيرة الاجل على الحلول الطويلة الأجل.

تحليل الإنفاق العام
قدّم صندوق النقد الدولي وصفته المعهودة الى الدولة بخفض الإنفاق العام بنسبة 1% سنوياً، من دون كشف التفاصيل عن الآلية الواجب تطبيقها. هل تلجأ الدولة إلى رفع الاقتطاعات على المعاشات؟ أو خفض التقديمات الاجتماعية للموظفين كالطبابة مثلاً أو التقاعد؟
إن الدولة، فضلاً عن أنها تعاني من ارتفاع الإنفاق، تعاني أيضاً من ضعف الإيرادات، هذا مردّه إلى ضعف الجباية، الفساد والرشوة، وتدني المعدلات الضريبية وتوسّع قاعدة الإعفاءات... ولكن، في معرض تحليلنا هنا، سوف نتناول الإنفاق العام، نظراً إلى صعوبة التقييم الكمي لنسبة الفساد أو الرشوة (هناك نظريات نعمل على تطبيقها لحساب الفساد ولكنها ليست جاهزة وسوف تُنشر فور جهوزها).

- في الرواتب والأجور:
تبلغ نسبة الإنفاق العام على الرواتب والأجور 37.8% خلال 2017، وهذه النسبة مرتفعة جداً مقارنة بالمتوسط العام في دول OCDE، التي تبلغ نسبة 22.7%وتساهم بـ14% في الناتج الوطني، بينما في لبنان لا تساهم بأكثر من 12.4% من الناتج العام (تم حساب هذه النسبة على أساس احتمالية توزيع الاستهلاك لـPareto(80%/20%).
بالاستناد إلى جداول وزارة المال، إن الإنفاق العام على الرواتب ارتفع في شكل لافت خلال مرحلتين، الأولى في 2008- 2009 بنسبة 21.7% (أي نحو مليار دولار) وخلال 2017- 2018 بنسبة 24.5% (نحو 1.9 مليار دولار). هذا الارتفاع في كتلة الأجور لا يمكن تبريره اقتصادياً، خصوصاً في فترة 2008، أي في قلب الأزمة المالية العالمية. أما الارتفاع الثاني فيعود إلى سلسلة الرتب والرواتب الأخيرة، التي كان ممكناً ألا ترتفع بهذا الشكل. نظرياً، ترتفع الأجور سنوياً بنسبة ارتفاع معدل النمو الحقيقي (أو حسب ارتفاع نسبة التضخم)، لكن الاعتماد على النمو يعطي نتائجه الإيجابية على الميزانية العامة على المدى الطويل. إذاً، إن ارتفاع الإنفاق العام على الرواتب والأجور وتوابعه خلال فترات متباعدة وعشوائية، إنما يدل على تعاطي غير رشيد في الإنفاق العام، وغالباً ما يتم تحت تأثير سياسي عن طريق التوظيف العشوائي، الذي لا يعتمد على معايير الكفاءة المهنية، إضافةً إلى التوصيف الوظيفي الوهمي. كل هذا يؤدي الى تدهور في الإنتاجية (إنتاجية الفرد في المتوسط 14 دولاراً/للساعة في لبنان، وهذه النسبة ضعيفة جداً مقارنة بـ 77 يورو/للساعة في فرنسا و105 دولارات/للساعة في الولايات المتحدة).

يجب وضع خطة إنقاذ اقتصادية مع سياسة مالية واضحة قبل اللجوء إلى الاستدانة


مشكلة أخرى تتعلق بضعف الخدمة في الإدارات العامة وانتشار الرشوة. هذا التدهور في الخدمة ناتج عن ضعف أجهزة الرقابة وتراجع الحس بالمسؤولية الاجتماعية والاقتصادية لدى الموظفين، الأمر الذي يؤدي مع الوقت إلى الهدر في الجباية وضعف في الإيرادات. ناهيك عن المحسوبيات والمافيات...
هناك خطوات إصلاحية جذرية وهيكلية يجب تطبيقها في أسرع وقت ممكن، قبل الدخول في دوامة الاستدانة لتنشيط الاقتصاد، شرط أن تمتلك الدولة الإرادة والعزيمة. هذه الاقتراحات عاصرها كثير من الدول الغربية، وأعطت نتائجها المرجوة. ولكن هناك ما يسمى بالثمن الواجب دفعه للوصول إلى هذه النتائج أو Le Prix du Mal. إذاً، ماذا يحدث لو لم تلجأ الدولة إلى الاستدانة مباشرةً وأجرت إصلاحات جريئة في بنيتها الحالية قائمة على سياسة مزدوجة مالية/ضريبية واضحة الأهداف؟
ماذا لو لجأت الدولة، بدل إقرار سلسلة الرتب والرواتب (1.9 مليار دولار)، الى إعادة تكوين اليد العاملة في القطاع العام لتصبح أكثر كفاءة ومواءمة لسوق العمل (مثلاً تطبيق النموذج السويسري، أو الهولندي أو الفرنسي، تنفق الحكومة الفرنسية سنوياً ملياري يورو لإعادة تكوين اليد العاملة لرفع الإنتاجية، وهذا الرقم موازٍ لكلفة سلسلة الرتب والرواتب الجديدة في لبنان. علماً أن هذا التأهيل لليد العاملة يوازيه إدخال المكننة والتكنولوجيا الرقمية في الإدارات العامة (مثلاً إدخال الـ BlockChain، وهي تكنولوجيا غير مكلفة)، فترتفع الإنتاجية وتتراجع الرشوة. أبعد من ذلك، إن إدخال التكنولوجيا يعزز الجباية ويكافح التهرب الضريبي، فترتفع إيرادات الدولة، عندها ينخفض الإنفاق من دون الإضرار بالنمو. ماذا لو طبقت الدولة هذا السيناريو، أليس هذا من الحلول المستدامة الذي تضمن النمو على المدى الطويل؟

- في خدمة الدين العام:
لم نلحظ أي إصلاحات تهدف إلى خفض خدمة الدين العام. كل ما استنتجناه، أن الدولة تعول على الاستثمار في البنية التحتية لتحفيز النمو بوتيرة أسرع من نمو الدين العام، وبذلك تكون السلطات المالية خفضت خدمة الدين مقارنة بالناتج المحلي. ولكن ما هو الحد الأمثل (Efficient) المستهدف للنمو لكي يستطيع سد الفجوة في خدمة الدين العام أو على الأقل تثبيتها؟ إن تحليلنا هنا، يجد أن على السلطات المالية والنقدية تحقيق معدلات نمو تتجاوز 8% سنوياً لكي يستطيع الاقتصاد تسديد خدمة الدين أو تثبيته، وهذا مستحيل في ظل المعطيات في الفترة الراهنة، هذا إذا ما لم تراهن الحكومة على مداخيل النفط لسد العجز وخدمة الدين العام أو على المداخيل من إعادة إعمار سوريا، على اعتبار أن لبنان يمكن أن يكون منصّة لإعادة الإعمار، وبذلك يكون باريس 4 ما هو إلا وقت مستقطع أو شراء الوقت للوصول إلى الهدف المنشود قبل 2026.
ولكن إلى متى تبقى الدولة تراهن على أوهام وتبيع الشعب حلم النفط. في عملية حسابية بسيطة، إن الكميات المُكتشفة من الغاز تقدر بـ25 TCF و850 مليون برميل نفط. إن المداخيل والإيرادات النفطية الصافية للدولة تقدر بـ83 مليار دولار على 25 سنة، أي بمعدل 3 مليارات دولار سنوياً. السؤال كيف للحكومة أن تسدد الدين العام من مداخيل تقدر بـ3 مليارات وخدمة هذا الدين تتجاوز 5.8 مليار اليوم؟ السؤال برسم الشعب.

- في الكهرباء:
في الإصلاحات المقترحة في باريس 4 إلغاء دعم الدولة للكهرباء والدخول في شراكة مع القطاع الخاص مع ضمان شراء الإنتاج بسعر مرتفع، وبالتالي تقع الكلفة على المواطن. أيضاً، فضّلت الدولة الحلول السريعة الباهظة الثمن على المدى الطويل. لماذا لا تتم الإصلاحات الجذرية في هذا القطاع بدءاً من تحسين الجباية لرفع إيرادات الدولة من هذا القطاع؟ أليس هناك وزراء ونواب وشركات لا يدفعون الفواتير؟ أليس هناك محميات لا تصل إليها الجباية؟ أليس من الأفضل للدولة الاستثمار مباشرة في هذا القطاع وتحسين الإدارة؟ لقد عودتنا الحكومة ومنذ زمن طويل على ضرب مؤسسات القطاع العام وتصويرها كشركات فاشلة عن طريق تقديم خدمات غالباً ما تكون أقل الممكن، وعلى أنها عبء على الدولة. فيضطر المواطن على مضض للقبول بالخصخصة، ويكون قد وقع في الفخ مع علمه المسبق به.

السيناريو الأسوأ: الانهيار الكلي وتعويم سعر الصرف
كما هو معروف، إن الهدف من «باريس 4» ما هو إلا الرهان على شراء الوقت لغاية الحصول على إيرادات النفط في عام 2026 أو مداخيل إعادة إعمار سوريا. ماذا يحدث مثلاً لو أن النفط لم يُستخرج بكمياته التجارية، ما هي ردة فعل الدولة وخصوصاً المصرف المركزي؟ ماذا لو طال أمد الحرب أو عاقبت سوريا الشركات اللبنانية بمنعها من دخول الأسواق السورية، هل سيلجأ المصرف المركزي إلى السيناريو الأسوأ، ألا وهو تعويم سعر صرف الليرة لأنه لم يعد يحتمل الخسائر المتتالية لهذه السياسة؟ أليس هذا هو الخطر الذي يؤدي أقله إلى حرب أهلية عندما يعلم عامة الشعب أنهم قد خسروا تقريباً ما يزيد عن 50% من قدرتهم الشرائية لصالح كبار المودعين (إن موجودات مليون و800 ألف حساب لصغار المودعين توازي موجودات 104 حسابات مصرفية لكبار المودعين)، وهؤلاء، أي كبار المودعين، سوف يحققون أرباحاً خيالية من خلال المضاربة على العملة، نظراً لعلمهم المسبق بهذا السيناريو، ونظراً لتداخلهم مع السلطات النقدية والمالية. أليس من واجب الدولة دراسة المخاطر وترتيبها لحماية صغار المودعين؟ وما هو الرد على هذا السيناريو (test de stresse)؟
إن شراء الوقت عن طريق «باريس 4» ليس من مصلحة الدولة على المدى المتوسط، لأنها أثبتت مع الوقت، وفِي ظل النظام السياسي الحالي، أنها لا تملك الإرادة والعزيمة لتحقيق إصلاحات جذرية يمكن أن يعول عليها في المستقبل. وبالتالي تكون أموال «باريس 4» كسابقاتها مصيرها الفشل. لا يستطيع النظام السياسي القائم مجاراة السيناريو الحالي، الذي يتمثل بتدهور ديناميكية الدين العام وعجز في ميزان المدفوعات، وبالتالي عاجلاً أم آجلاً قد نكون أمام السيناريو الأسوأ، ما لم تُتخذ إصلاحات جذرية جريئة لمواجهة الأزمة. كان حريّاً بالدولة اللبنانية قبل اللجوء إلى «باريس 4»، إجراء إصلاحات جذرية عن طريق وضع خطة إنقاذ اقتصادية مع سياسة مالية واضحة المعالم والأهداف من حيث الإنفاق العام والإيرادات، معدلات العمالة، التضخم والنمو المستهدف (plan d’action). تهدف هذه الخطة على المدى القصير إلى خفض الإنفاق العام وتحسين إيرادات الدولة مدعومة بسياسة ضريبية عادلة مثل رفع الضرائب على أرباح المودعين وخفض أسعار الفائدة... هذه الحلول قد تكون مؤلمة على المدى القصير، ولكنها الثمن الواجب دفعه (prix du mal) للنهوض الاقتصادي على الأمد الطويل. بعدها، قد تلجأ الدولة إلى الاستدانة بشروطها المحسّنة بعد أن تكون خلقت أرضية (Tendance Fondamentale)، وهنا تكون عملية الاستدانة كمسرّع (accélérateur) للوصول إلى الأهداف خشية الانكماش لفترة طويلة. هذا جزء من أفكار وليس طروحات نضعها برسم من يهمهم الأمر.



نظام Ponzi بحذافيره
إن سياق مؤتمرات باريس 1 و2 و3 (سياسات مالية توسعية هشة) لم تكن إلا ردة فعل نتيجة غياب الحلول وضيق هامش المناورة أمام السياسة النقدية على المدى القصير، فتتدخل الدولة دائماً لشراء الوقت عن طريق الاستدانة. ولكن وضع الدين العام وصل إلى مستويات خطرة، ولذلك جرى دق جرس الإنذار، وظهر التخبط الواضح في أداء أقطاب السلطة، هللوا لـ«باريس 4» كمنقذ، وهو لم ولن يخرج أبداً عن سياق المؤتمرات السابقة: ديون مشروطة بإملاءات، وإصلاحات تطال بالدرجة الأولى شرائح الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. بعض هذه الإصلاحات يتعلق برفع الدعم عن قطاع الكهرباء وخصخصته أو شراكة القطاع الخاص به (أيضا في المياه، النفايات، النفط ...) وخفض الإنفاق العام 1% سنوياً. ما يثير القلق نقطتان، هما: غياب الآليات الواضحة لخفض الإنفاق العام بنسبة ٥٪ على خمس سنوات، وعدم تناول خفض الدين العام في الإصلاحات.
النقاش في جدوى مؤتمر باريس 4 من ناحية الإصلاحات أو الأهداف المرجوة، يجب أن يتناول كل شريحة من شرائح الإنفاق العام وتحليل تأثيرها بالمقارنة مع إصلاحات هيكلية افتراضية (مكافحة الهدر والفساد)، ما يعطي رؤية واضحة عن جدوى الاستدانة أو الإصلاحات المفروضة، خصوصاً في بلد يملك ودائع في المصارف بقيمة 173 مليار دولار، ويبلغ متوسط دخل الفرد فيه 12000 دولار سنوياً، ويتلقى 8 مليارات دولار سنوياً كتدفقات نقدية من المغتربين... هذه الأرقام تدفع للحيرة: كيف يعجز هكذا اقتصاد عن خلق كتلة نقدية توازي 1.1 مليار دولار سنوياً ويذهب الى استدانتها عبر «باريس 4»؟ إلا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها، أي إن جزءاً كبيراً من الـ173 مليار دولار ما هو إلا ارقام وهمية موزعة بين ديون بحكم المعدومة على الدولة أو موجودات إلزامية لدى مصرف لبنان، أي إن المصارف تملك إيداعات على الورق، وهي لا تتحكم بجزء كبير منها، الأمر الذي يؤدي إلى تكبيل يدها في الاستثمار، وبالتالي يعاقب النمو.
في كل دول العالم، تضخ السيولة النقدية في المصارف لتحفيز الطلب الداخلي ومن ثم النمو، على عكس ما يحدث في لبنان حيث تسحب السيولة من المصارف لاستدانة الدولة ولتلبية الطلب على الدولار نتيجة حجم الاستيراد الهائل، الذي يرهق كاهل المصرف المركزي. هذا ما يفسر إدمان الدولة على التدفقات النقدية الخارجية، حيث تدخل هذه الأموال مباشرةً في المصارف الخاصة، تستثمرها المصارف مباشرةً في سندات الخزينة (الحكومة) وشهادات الإيداع (مصرف لبنان)، التي تتصف بمعدلات فائدة مرتفعة (في الوضع الاقتصادي العالمي الراهن، قليلة هي المشاريع التي تدرّ ما بين 7-8٪ عوائد مع مخاطر قليلة، لذلك تضع المصارف أغلب إيداعاتها في سندات الخزينة وشهادات الإيداع نظراً لعوائدها المرتفعة ومخاطرها القليلة).
يستخدم المصرف المركزي هذه الأموال لتسديد فوائد المصارف وخدمة الدين ولإقراض الدولة من جديد أو تسديد بعض القروض المستحقة. وهذا هو نظام Ponzi أو Madoff بحذافيره، إذ يعتمد على المداخيل الجديدة لسد الفوائد المترتبة عليه. لذلك، إن التدفقات النقدية للمغتربين (8 مليار دولار)، والتي تمثل 14% من الناتج المحلي، تدخل مباشرةً في مثلث الشر (المصارف-المصرف المركزي-الدولة)، والتي بطبيعة الحال لم ولن يكون لها أي تأثير على الاستثمار أو على النمو.
إن وصف الدين على الدولة بشبه المعدوم يعتمد على عوامل عدة، منها ما يتعلق بضعف الاقتصاد الوطني، بشكله الحالي ومن دون إصلاحات جذرية، تطال الإنتاج وتحقق نمواً يساعد في تسديد خدمة الدين. فحتى النفط المعول عليه لن يكون قادراً على هذه المهمة لوحده، لذلك إن إدمان الدولة على التدفقات النقدية للمغتربين تعتريه مخاطر مرتفعة، يتعلق بعضها بالتشريعات العالمية لمكافحة التهرب الضريبي، أو قوانين دولية مفروضة على لبنان تحت عنوان «مكافحة تمويل الإرهاب»، أو مخاطر أي أزمة مالية عالمية جديدة... كلها عوامل ستحدّ من التدفقات النقدية للبنانين من الخارج، فما هو إذن السيناريو البديل للدولة اللبنانية؟ من هنا نفهم لماذا تلهث الدولة وراء الاستدانة من الخارج عن طريق «باريس 4».