أعدّ البنك الدولي تقييماً لبرنامج الاستثمارات العامّة، الذي عرضته الحكومة اللبنانية أمام الدائنين والمستثمرين، في مؤتمر «باريس 4». يتضمن هذا التقييم إقراراً بأن البرنامج المطروح «لا يعالج الحواجز التي تعوق تنفيذ المشاريع المُقترحة، أو تؤخّرها وتزيد من تكاليفها»، ويوضح أنه لا يستند إلى «دراسة التقييم المالي واستراتيجية الديون، التي أوكلت إلى صندوق النقد الدولي».

66 %

من مشاريع الطاقة يقول البنك الدولي إن تمويلها ممكن من القطاع الخاص، كونها الأكثر جاذبية للمستثمرين، يليها قطاع النفايات الصلبة بنسبة 18%، والاتصالات والنقل بنسبة 8% لكلّ منهما

لكنه، على الرغم من ذلك، خلص إلى منح هذا البرنامج علامة «مقبول»، باعتبار أن «خطّة الاستثمار الرأسمالي، في ضوء العجز المالي، هي أداة فعّالة للمساعدة في تعزيز البنية التحتية اللبنانية وتحفيز النمو الاقتصادي».

احتاج الدائنون المؤسسيون (دول وصناديق وبرامج التمويل) إلى وثيقة صادرة عن البنك الدولي، لتبرير إقراض الحكومة اللبنانية، وهو فعل ذلك كعادته، وبالتالي إن سلوكه غير مستغرب، فضلاً عن أنه سلوك ينتهجه بوصفه مستشاراً لهذه الحكومة، بحكم الاتفاقيات الموقعة بينهما، وبالتالي سيكون من المغالاة توقّع سلوك سلبي من البنك الدولي، في الوقت الذي تذهب فيه الحكومة إلى التعهّد بتنفيذ بعض من وصفاته المطلقة والمجرّدة، كالشراكة مع القطاع الخاص وخفض العجز وخصخصة قطاعات حيوية.

منهجية الضرب بالرمل!
يعتمد البنك الدولي في تقييمه الإيجابي على «المستندات والمعلومات التي قدّمتها الحكومة اللبنانية»، وتتضمّن قائمة بالمشاريع المنويّ تنفيذها في كل مرحلة، بالإضافة إلى تقديرات كلفة كل مشروع. ويعتمد أيضاً على توقّعات الحكومة لأثر برنامجها الاستثماري وقدرته على خلق فرص عمل وزيادة النمو.
يصف البنك الدولي حالة البنية التحتية اللبنانية بأنها «الأفقر إقليمياً وعالمياً»، ويستند في ذلك إلى ترتيب لبنان في المرتبة 130 من بين 137 دولة مدرجة على «مؤشر جودة البنية التحتية». ويقول إن هذه الحالة سببها «انخفاض الإنفاق العام على البنية التحتية، نتيجة تراكم عبء الديون الملقى على الدولة، والامتناع عن إقرار أي موازنة لمدّة طويلة (12 عاماً)»، ليخلص إلى وصف برنامج الحكومة للاستثمار في البنية التحتية (عبر القروض الخارجية الميسرة والشراكة مع القطاع الخاص) بأنه يمثل «استراتيجية مهمّة لتوفير استثمارات عالية الجودة والقيمة في مجالات البنية التحتية الحيوية مثل الطاقة والاتصالات والنقل».

للصورة المكبّرة أنقر هنا

ماذا في نتائج التقييم؟
يرى البنك الدولي أن «غالبية المشاريع (التي تضمنها برنامج الحكومة) تُعَدّ ذات أولوية استراتيجية للقطاع المعنيّ، وتحديداً مشاريع قطاعات المياه والصرف الصحي والنفايات الصلبة والاتصالات والثقافة والصناعة، كذلك تعدُّ جزءاً من استراتيجيات قطاعية وطنية، باستثناء الاتصالات التي تعدُّ القطاع الوحيد الذي يفتقر إلى استراتيجية وطنية».
انطلاقاً من هذا التقييم العام، يتوقع البنك الدولي أن «تتجه التدفقات الرأسمالية الأجنبية نحو تمويل 83% من مشاريع الكهرباء، ومثلها من مشاريع النفايات الصلبة، والقطاع الثقافي بنسبة 73%»، في حين أن «معظم مشاريع الكهرباء والنقل والثقافة والصناعة سيكون لها تأثير كبير في النمو المستدام، فيما تخلق المشاريع المنجزة في قطاعات الصناعة والنقل والنفايات الصلبة والكهرباء عدداً كبيراً أو متوسطاً من فرص العمل».
لا يختلف البنك الدولي مع الحكومة إلا في بعض «التفاصيل» حول أولويات المشاريع وتوزيعها بين المراحل الثلاث، ففيما توزّع الحكومة برنامجها بين 10.799 مليارات دولار للمرحلة الأولى (47% من تكاليف البرنامج) و6.454 مليارات دولار في المرحلة الثانية (28%)، والباقي للمرحلة الثالثة. يقترح البنك الدولي توزيعها بين 7.818 مليارات دولار أميركي للمرحلة الأولى (الثلث تقريباً) و8.296 مليارات دولار للمرحلة الثانية (37%). وينبع هذا الاختلاف من توزيع مشاريع السدود المائية، إذ يوصي البنك الدولي بتنفيذ مشاريع أقل بقيمة 930 مليون دولار من برنامج الحكومة، ويدرج محارق النفايات بقيمة 750 مليون دولار أميركي، ومحطة توليد الكهرباء بسلعاتا بقيمة 600 مليون دولار، في المرحلة الثانية، فيما تضعها الحكومة في المرحلة الأولى.

شرّعوا الأبواب للرساميل الخاصة
الوصفة التمويلية التي يؤيدها البنك الدولي لـ«جذب التمويل الأجنبي الخاص، بما يؤدي إلى تجاوز المعوقات المالية الحالية»، تقوم على تشريع الأبواب للقطاع الخاص وفق نموذج الشراكة. يبرّر البنك الدولي هذا الطرح بما يصفه «قدرة النظام المصرفي المحدودة في تأمين التمويل اللازم»، ويشير إلى النظام المصرفي اللبناني «على الرغم من امتلاكه نسباً كافية من رأس المال، إلا أن القروض المتعثرة لديه آخذة في الارتفاع»، في حين أن «أسواق رأس المال ما زالت ناشئة في لبنان، وقاصرة عن لعب دور في تمويل برنامج الاستثمارات العامة، على المديين القصير والمتوسط»، كذلك إن لبنان يرزح تحت «مديونية عالية وخدمة دين مرتفعة، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي والإيرادات العامة»... لذلك، إن «لجوء الدولة إلى زيادة الاستثمار التمويلي والتجاري في البنية التحتية يستلزم الشراكة مع القطاع الخاص»، وهذا كلّه «يؤدي إلى إرسال إشارات إلى المستثمرين الدوليين للانخراط في هذه الاستثمارات»، ففي هذه الحالة، يقول البنك الدولي: «يوفى الدين وتُسدَّد خدمة الدين من الإيرادات التي تجبى من مستخدمي الخدمات المقدمة والمتوافرة، بدلاً من تسديدها عبر الموازنة من خلال الضرائب، لكون هذه المشاريع ستقدّم قيمة أو خدمة مقابل ما تجبيه من أموال، مع توزيع الحوافز والمخاطر بين القطاعين العام والخاص».
بحسب البنك الدولي، إن «33% من كلفة المشاريع (7.426 مليارات دولار) يمكن تمويلها من القطاع الخاص، على أن تكون حصة الأخير من كلفة مشاريع المرحلة الأولى 38%، أي ما يوزاي 2.967 مليار دولار، نظراً «لعدم توافر السيولة في لبنان». وفي مقارنة مع الدول الشبيهة بلبنان، يقول البنك الدولي، إن تمويل المشاريع من الديون الخاصة لن تشكّل سوى 0.5% إلى 1.5% من الناتج المحلي، «وهو ما يترجم بحالة لبنان بنحو 250 مليوناً إلى 750 مليون دولار سنوياً، وبالتالي إن مجمل طاقة التمويل الخاص يراوح ما بين 333 مليوناً و1000 مليون دولار أميركي سنوياً».
للصورة المكبّرة أنقر هنا


ضمان ربحية القطاع الخاص
يستنتج التقييم أن «مشاريع الطاقة هي الأكثر جاذبية للقطاع الخاص، وأن 66% منها يمكن تمويلها من القطاع الخاص، (43% منها في المرحلة الأولى)، يليها قطاع النفايات الصلبة بنسبة 18% من مشاريعها، من ثم الاتصالات بنسبة 8%، وأخيراً النقل بنسبة 8%».
يتمّ إيفاء الديون وتسديد خدمة الدين المترتبة على هذه المشاريع من الإيرادات التي ستُجبى من مستخدمي الخدمات العامة المقدمة

ولكن لجذب هذه الاستثمارات الخاصة، يشترط البنك الدولي أن تقصّر الدولة تدخلاتها لتأمين ربحية المستثمرين، فبحسب التقرير «يمكن تمويل مشاريع الاتصالات والمطارات وتوليد الطاقة بالكامل من خلال القطاع الخاص، مع الأخذ بالاعتبار أن مشاريع الاتصالات والطاقة تستلزم من الدولة أن تلتزم بضمان أي مطلوبات طارئة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القطاعات الأخرى، وخصوصاً إمدادات المياه والنقل الحضري والمشاريع ذات الطابع الاجتماعي والإنمائي، لإن الرسوم التي تُفرض على المستفيدين منها وربحيتها، غالباً ما تكون أقل بكثير من التكلفة الرأسمالية، ما يستدعي تقديم دعم مالي من الدولة لجعلها مجدية تجارياً وجذابة للمستثمرين، فضلاً عن وضع تسهيلات وإقرار سياسات تمكينية للمستثمرين في هذه القطاعات، كإنشاء مرفق لتمويل البنية التحتية اللبنانية شبيه بالصناديق الائتمانية لدعم فوائد القروض الميسرة، بدعم من الجهات المانحة الدولية».



33 %
من كلفة مشاريع برنامج الاستثمارات العامة (أي 7.426 مليارات دولار)، يقترح البنك الدولي تمويلها من القطاع الخاص

مليار
دولار أميركي هو القيمة المقدّرة لمجمل طاقة التمويل الخاص السنوية نتيجة تدفقات برنامج الاستثمارات العامة


في خدمة سعر الصرف
يؤدي العجز التجاري الكبير إلى عجز هيكلي كبير في الحساب الجاري، بلغ متوسطه ما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، منذ عام 2011. وفي عام 2016، بلغ إجمالي الاحتياجات التمويلية للقطاع العام 30% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ إجمالي احتياجات التمويل الخارجي 171% من الناتج المحلي الإجمالي (صندوق النقد الدولي ، 2017). وهذا كله في إطار نظام سعر الصرف الثابت المعمول به منذ عقدين، والذي أصبح دعامة أساسية للاقتصاد اللبناني.
البنك الدولي ــ التقييم الاستراتيجي لبرنامج الاستثمارات العامّة ــ فرص الاستثمار والإصلاحات في لبنان ــ 6 نيسان 2018


مقابلة

البنية التحتية بدلاً من العقارات: المهم جذب الرساميل الخارجية


لماذا منح البنك الدولي «شهادته» لبرنامج الحكومة؟ حاولنا الحصول على إجابة في جلسة نقاشية عقدها البنك في مقره في بيروت، قبل أسبوعين، شارك فيها المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، ساروج كومار جاه، والخبير الاقتصادي في البنك، وسام حركة

هل التقييم الذي قدّمه البنك الدولي لبرنامج الاستثمارات العامّة، هو «غب الطلب» من الحكومة، لكونه لا يرتكز على دراسة للآثار المترتبة عنه على الاقتصاد الكلي؟
كومار جاه: لقد قيّمنا البرنامج بطلب من الحكومة اللبنانية، واستناداً إلى خبرتنا في لبنان منذ الخمسينيات، أما دراسة الاقتصاد الكلي، التي نقوم بإجرائها عادة، فقد أوكلت إلى صندوق النقد الدولي. هذا النوع من الاستشارات يندرج ضمن إطار الخدمات التي نقدّمها للحكومة اللبنانية، ولكن هناك دراسات عدّة يجب القيام بها لكل مشروع لإنجاح البرنامج وتحقيق أهدافه، والاستفادة منه، فضلاً عن تنفيذ سلسلة إصلاحات في كلّ القطاعات، تكفل تحسين الخدمات المقدمة (كهرباء ونفايات صلبة ومياه)، وتحقّق نمواً اقتصادياً وتخلق فرص عمل، وتعزّز الشفافية والمحاسبة.
التركيز الأكبر هو على قطاع الكهرباء، لإقرار كل الإصلاحات المدرجة ضمنه دون استثناء، لكونه قطاعاً حيوياً لكل القطاعات، ومعزّزاً أساسياً لبيئة الأعمال.

في ضوء العلامة الإيجابية التي منحها البنك لبرنامج الحكومة، هل يتبنى ما تقوله الأخيرة عن خلق 900 ألف فرصة عمل وتحقيق نمو بنسبة 8% سنوياً؟
حركة: هذه أرقام الحكومة وليست أرقام البنك الدولي! ولكن يجب الأخذ بالاعتبار أن هذه المشاريع إذا سلكت مسار التنفيذ، فهي ستنفّذ على 3 مراحل تمتدّ حتى عام 2030، وستخلق فرص عمل للبنانيين واللاجئين السوريين، ولو أن أغلبها عمالة في بناء هذه المشاريع.

هل الاقتصاد اللبناني قادر على استيعاب التدفقات التي ستنجم عن برنامج الاستثمارات العامّة والمقدّرة بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً؟
حركة: يعاني لبنان شحّاً في الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية، وبالمقارنة مع بلدان شبيهة، مثل الأردن، نجد أن الأخير ينفق 4% من الناتج المحلي على البنية التحتية، وبالتالي إن إنفاق لبنان نحو 1.5 مليار دولار سنوياً (في هذا المجال) يعدّ ضمن المعدلات المعهودة. لذلك، يعدّ الإنفاق على هذه المشاريع أمراً جيّداً، ولن يؤذي أحداً.

تتزايد التحذيرات من الأثر السلبي الناتج من التدفقات الرأسمالية الخارجية على البلدان الضعيفة، واحتمال أن تؤدي إلى أزمات مالية. لماذا يدعم البنك الدولي هذا التوجّه؟
حركة: يعاني لبنان من عجز هيكلي بطبيعته، وهو بحاجة دائمة للعملات الأجنبية لسدّ عجزه المالي. طوال السنوات الماضية، كان يسدّ هذا العجز (يبلغ 9.6% من الناتج المحلي عام 2016 وفق التقرير) عبر تدفقات مالية قصيرة الأجل لقاء فوائد مرتفعة (بلغت وفق التقرير نحو 8.8% على الليرة و7.5% على الدولار منذ عام 2004)، عبر تحويلات المغتربين التي وظّفت في القطاع العقاري. لكن هذه الأموال شحّت منذ عام 2011 نتيجة ارتباطها بالأوضاع الاقتصادية في البلدان الأجنبية، فتراجعت تدفقات الودائع، وقلّ الطلب العقاري. في المقابل، يمتلك لبنان بنية تحتية متهالكة نتيجة شحّ الإنفاق الرأسمالي (بلغ الإنفاق الاستثماري وفق التقرير 1.3% نسبة إلى الناتج المحلي بين عامي 2005 و2011، وهو تراجع إلى 0.1% منذ عام 2011). لذلك، يأتي البرنامج الاستثماري للحكومة ليعالج هذين الأمرين، فهو يجذب الأموال الأجنبية التي يحتاجها لبنان، ويوظّفها في المشاريع الاستثمارية في البنية التحتية لا في القطاع العقاري. وفي ضوء الظروف الحالية، هناك قدرة على امتصاص هذه الأموال، وبالتالي لا يوجد خوف من إصابة لبنان بالمرض الهولندي، لا بل على العكس، إن توظيف هذه الأموال في هذه المشاريع سيُبعد إمكان وقوع أزمة.