في أحد اللقاءات الانتخابية، في العاصمة، احتدم النقاش بين مرشحي ما يسمى «المجتمع المدني» ومشاركين في اللقاء. إحدى السيدات التزمت الصمت طيلة ساعة اللقاء، قبل أن يتوجه إليها أحد المرشحين سائلاً إياها: «وأنت أين ستصوّتين»؟ أجابته: «ليتني أُصوّت لكم، لكن نفوسي في الجنوب».

ابنة الخيام، التي لم تزر قريتها منذ سنوات، ولم تنتخب مرة في حياتها، تعدّ العدة مع عائلتها للتوجه الى الجنوب في السادس من أيار والتصويت «لأي لائحة مدنية». لا تخفي السيدة الأرثوذكسية انزعاجها من الارتباك الذي يسود صفوف «المعارضة» في الجنوب وتشتّت صفوفها «لكن النتيجة ليست مهمة بقدر ما يهمنا إيصال صوتنا والقول لحزب الله وأمل هناك صوت آخر في المنطقة».
عندما يوضع هذا المثل أمام رئيس إحدى بلديات قرى قضاء مرجعيون، يجيب: «من يرى الأمور من برج عاجي عال، غير أولئك الذين يعيشون هنا في قراهم. المسيحيون المقيمون في قراهم لا ينكرون حجم الخدمات التي تقدّم لهم منذ التحرير، ولن ينسوا كيف تصرفت المقاومة بتسامح مع عائلات ومجنّدي ميليشيا العميل أنطوان لحد. لذا لا تدخل في حساباتنا «هوبرات» جبران باسيل أو سمير جعجع».
لا يمكن قراءة الواقع السياسي للقوى المسيحية في دائرة الجنوب الثالثة خارج إطار اتجاهات الاهالي في تلك القرى:
ــ المقيم المتأثر إيجاباً والمتفاعل مع المحيط الذي يعيش فيه إلى حدّ تفهّم العلاقة الايجابية بينه وبين القوى السياسية صاحبة الحضور الطاغي هناك.
ــ العائلات التي نزحت من قراها الحدودية إلى العاصمة والضواحي القريبة منها منذ عقود والتي يتأثر الجيل الجديد من أبنائها بالاحزاب المسيحية التي تتصدر المشهد (قوات وكتائب وتيار وطني حر).
ــ فئة قليلة من المقيمين أو النازحين تتأثر بالأحزاب العقائدية وتحديداً الحزب الشيوعي والحزب القومي.

توجيهات أمل وحزب الله «واضحة بعدم التمييز في الخدمات والمشاريع بين قرية وأخرى»


لهذه الدائرة مقعد نيابي أرثوذكسي من أصل 11 مقعداً، يتنافس عليه خمسة مرشحين هم: أسعد حردان (حاصبيا)، شادي مسعد (برج الملوك)، فادي أبو جمرا (الكفير)، هالة أبو كسم (جديدة مرجعيون)، فادي سلامة (القليعة) ومنح صعب (مرجعيون).
يبلغ عدد الناخبين الإجمالي في هذه الدائرة 460491 ناخباً، بينهم 45102 ناخب مسيحي، أي بنسبة 9.8 في المئة، يتوزعون على الشكل الآتي: موارنة 24069، روم أرثوذكس 11086، روم كاثوليك 8189، إنجيليون 1355 وأقليات مسيحية 403.
يوجد الناخبون المسيحيون في 27 بلدة أبرزها: رميش، عين إبل، دبل، القليعة، مرجعيون، برج الملوك، إبل السقي، كوكبا، يارون، صربا، دير ميماس وراشيا الفخار.
لم يعزز وجود خمس لوائح في دائرة الجنوب الثالثة شعور الاهالي في هذه القرى بأنهم معنيون بالانتخابات (لم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة 30%). واقع يربطه أحد المرشحين المسيحيين في المنطقة بحصر تمثيل الدائرة كلها بمقعد أرثوذكسي واحد، فيما يشكل الموارنة ضعفي الناخبين الأرثوذكس ولا نائب يمثلهم. يأمل أحد وجهاء بلدة رميش بتصحيح «الخلل» بإعادة المقعد لهم كما كان قد اقترح ذلك الرئيس نبيه بري، فيما فضّل البطريرك السابق نصرالله صفير تجييره لطرابلس وقتذاك. لكن من يدقّق في المعطيات الانتخابية، يشعر أن غالبية المقيمين في قرى قضاء بنت جبيل المسيحية سيصوّتون للائحة «الوفاء والأمل»، وسيتوزّع صوتهم التفضيلي على المرشحين الثلاثة، النواب الحاليين علي بزي وحسن فضل الله وأيوب حميد، خصوصاً أن توجيهات الرئيس بري كما قيادة حزب الله «واضحة بعدم التمييز في الخدمات والمشاريع بين قرية وأخرى، وهذا واقع يلمسه الأهالي يومياً»، على حدّ تعبير أحد نواب المنطقة، فيما يخالفه الرأي رئيس بلدية عين إبل عماد اللوس الذي يقول إن الأهالي يشعرون بالتهميش الخدماتي منذ سنوات طويلة، ويعزو السبب إلى عدم وجود نائب مسيحي يحمل قضايا الأهالي إلى الوزارات والمؤسسات المعنية.
يشير اللوس إلى وجود تيارات حزبية مختلفة في القرى والبلدات المسيحية، من القوات اللبنانية الى الكتائب والتيار الوطني الحر. قبل سنة، بدأ التيار الوطني الحر يفعّل حضوره داخل البلدة، فافتتح برعاية الوزير جبران باسيل مركزاً حزبياً في البلدة. «قبلها لم يكن هناك لا مراكز ولا مكاتب حزبية لأحد». زخّمت الاحزاب المسيحية حضورها في المنطقة مع صدور القانون النسبي.
يحاول اللوس إقناع الأهالي بأهمية الاقتراع في هذه الدورة، لأن «كل صوت وفق القانون الجديد له قيمة، ولذا يجب أن نظهر قوتنا من خلال حجم أصواتنا»، آملاً أن تكون هذه الانتخابات مختلفة عن انتخابات عام 2009 حيث كانت نسبة الاقتراع ضعيفة.
في بلدة رميش، أدت زيارة الوزير باسيل إلى تزخيم الجو الانتخابي. راعي أبرشية البلدة الخوري شوقي العميل لا يتردد في القول «الناس ستنتخب الرئيس نبيه بري وأعضاء لائحته لأنه يهتم بنا». كلامه يتقاطع وموقف رئيس بلدية رميش فادي مخول الذي سارع إلى الرد على خطاب باسيل التحريضي في البلدة. يقول مخول إننا نعيش في قرانا بكامل كرامتنا ونحافظ على أحسن العلاقات مع جوارنا ونحصل على حقوقنا ولا أحد يهددنا بلقمة عيشنا.
القسم الأكبر من أهالي رميش التي تعدّ أكبر القرى المسيحية في قضاء بنت جبيل يعمل في الزراعة، وخصوصاً زراعة التبغ، ويروي أرضه الزراعية من مياه راس العين (في صور). التبغ والمياه حيويان للناس كما الانخراط في وظائف الدولة، فيما يعتبر القطاع الخاص ضعيفاً في هذه القرى، كما هي الحال في معظم القرى الحدودية، بمعزل عن انتماءاتها الطائفية.
يقول أحد مزارعي التبغ في رميش «بكرا إذا انتخبت الكتائب أو القوات أو التيار الحر، هني بيصيرو بالسلطة وأنا ما بلاقي مي إسقي دخاناتي».

قضاء مرجعيون ـــ حاصبيا
عاملان يميّزان الانتخابات في قضاءي مرجعيون وحاصبيا؛ الأول، وجود خمسة مرشحين من أبناء هذه القرى، بالإضافة الى النائب الحالي أسعد حردان. الثاني، هو تنوع القوى الحزبية، حيث للحزبين الشيوعي والقومي حضور وازن، يليه حضور القوات والكتائب والتيار الوطني الحر، بنسب متفاوتة، ولكل من هذه الأحزاب مرشحه، باستثناء الكتائب.
ترفض مرشحة الحزب الشيوعي اللبناني الطبيبة هاله أبو كسم التحدث عن خصوصية طائفية للقرى المسيحية في دائرة الجنوب الثالثة. مجرد توصيف هذه القرى بأنها مسيحية يستفز أبو كسم، فترتفع نبرتها في التعبير، لتصبح المشكلة في طرح الموضوع من زاوية طائفية. تقول إن الناس «متشوقة للانتخاب في تلك الدائرة طلباً للتغيير». تأخذ على الاحزاب الطائفية محاولة اللعب على الوتر الطائفي «لشدّ العصب الانتخابي». وعلى سبيل «الأمانة»، تقول «ميزة النائب أسعد حردان أنه لم يترشح من منطلق طائفي».
تبدي أبو كسم ارتياحاً الى المزاج العام للناخبين في الدائرة الجنوبية الثالثة، ما يعزّز حظوظ مواجهة لائحة «الوفاء والأمل»، في إشارة إلى رهان الشيوعيين على قرابة 14000 صوت في هذه الدائرة، فضلاً عمّا يمكن تجييره من أصوات الناخبين المستقلين.
يحاول التيار الحر التحشيد لمرشحه شادي مسعد، رغم العود الطري للتنظيم البرتقالي في هذه المنطقة (تم تعيين مسؤول تنظيمي للتيار في المنطقة قبل أسابيع قليلة)، في حين أن الرهان بالنسبة إلى مرشح القوات اللبنانية فادي سلامة على تحفيز الاقتراع، سواء بين المقيمين أو بين الاهالي الذين غادروا بلداتهم باتجاه العاصمة، في ظل تقديرات قواتية بالقدرة على تجيير حوالى ستة آلاف صوت للائحة التي تضمّ القوات وشخصيات شيعية ضد حزب الله وحركة أمل. هذه الأرقام لا يوافق عليها أحد المتابعين الانتخابيين، قائلاً أن قدرة الكتائب والقوات أكبر من التيار في مرجعيون وحاصبيا، ولكن رقم الستة آلاف مبالغ فيه.
يذكر أن هذه الدائرة تضم 11 مقعداً، تتوزع كالآتي: 3 مقاعد شيعية في النبطية، 3 مقاعد شيعية في بنت جبيل، مقعدان شيعيان ومقعد سنّي ومقعد درزي ومقعد أرثوذكسي.