يوم 13/11/2017، بعث السفير الإماراتي في بيروت برقية إلى بلاده تحدّث فيها عن التطورات في لبنان بعد اختطاف الرئيس سعد الحريري في الرياض، في ما يأتي نصها:

أولاً: الجانب السياسي:
1. إطلالتان لأمين عام حزب الله حسن نصرالله: خرج حسن نصرالله يوم الأحد الماضي بكلمة متلفزة هادئة على غير العادة شدد فيها على ضرورة التضامن الداخلي وإعلان فيها أن أي قرار في شأن قبول استقالة الحريري يجب أن لا يتخذ بانتظار عودته لأن الاستقالة جاءت في ظروف غير طبيعية وتحت الضغط، بحسب رأيه، وأن التركيز بالدرجة الأولى يجب أن يكون على عودة الحريري من الرياض، هذا الكلام كان أشبه بتوجيه أصدره نصرالله لتأتي من بعده المواقف السياسية متشابهة ولتشدد القوى السياسية اللبنانية على أن الأولوية هي لعودة الحريري.
في إطلالته الثانية خاطب نصر الله الداخل اللبناني بالهدوء ذاته لكنه صعد ضد السعودية واتهمها باحتجاز الحريري واعتبر أن استقالته كأنها لم تكن، مطالباً الوزراء بالعمل في شكل اعتيادي. ومرة أخرى كان كلامه بمثابة توجيه للجمهورية. ويسود اليوم في لبنان توجه يقوده عون إلى تدويل الأزمة الحكومية من خلال زيارات خارجية يعتزم وزير الخارجية القيام بها وتبدأ من فرنسا يوم الثلاثاء المقبل.
2. على مستوى رئاسة الجمهورية، عمد رئيس الجمهورية إلى سياسة شراء الوقت إذ أجرى على مدى الأسبوع لقاءات شملت أطياف المجتمع السياسي كافة والسفراء والقيادات المصرفية والدينية في البلاد واستهلك بهذه الاجتماعات نحو 4 أيام.
3. شهد الأسبوع أيضاً تحركات مكثفة باتجاه دار الفتوى من معظم الشخصيات السياسية في لبنان. ولكن الأبرز كان وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي أطلق من على منبر الدار موقفاً تصعيدياً ضد السعودية من دون أن يسميها. فخلال رده على سؤال عن احتمال مبايعة آل الحريري لبهاء الحريري الآخ الأكبر لرئيس الحكومة المستقيل قال المشنوق إن الأمور في لبنان تجري بالانتخاب وليس بالمبايعة وأن اللبنانيين ليسوا قطيعاً أو قطعة أرض تنتقل ملكيتها بالتوريث. هذا الموقف يعتبر تصعيداً خطراً من شخصية سنية وازنة ولا شك أن المملكة رصدت هذا الموقف وستكون له تداعياته على مستوى علاقة المشنوق بالسعودية.

السعودية أرسلت صقر ليكوّن فريقاً مقابلاً لنادر الحريري يضم السنيورة وقطيش


4. من أبرز المحطات السياسية خلال الأسبوع اجتماعان استثنائيان لكتلة المستقبل النيابية والمكتب السياسي لتيار المستقبل. فقد خرج الاجتماع الأول ببيان مخيب للآمال إذ شدد على ضرورة عودة الرئيس الحريري قبل الحديث في أي شيء آخر، وهو ما جاء صادماً للسعودية. أما الاجتماع الثاني فخرج ببيان أفضل نسبياً إذ جاء متناسقاً في مضمونه مع مضمون بيان استقالة الحريري في ما يتعلق بإيران من دون التطرق إلى حزب الله ومن دون إغفال المطالبة بعودة الحريري.
* وفق معلوماتنا الخاصة فإن حالة من الإنقسام تسود في قيادة تيار المستقبل وهي على الشكل التالي:
جبهة يقودها نادر الحريري، حيث يقوم بحملة غير معلنة من تيار المستقبل على السعودية وهناك معلومة تقول إن نادر يسعى إلى تجييش قواعد التيار للقيام بتحركات وتظاهرات لمطالبة السعودية بإعادة سعد الحريري إلى بيروت. على هذا الجانب هناك غرفة عمليات يقودها نادر وتتضمن النائب بهية الحريري ونهاد المشنوق والوزير غطاس خوري.
على الجانب الآخر من المواجهة تشير المعلومات إلى أن السعودية طلبت من النائب عقاب صقر العودة على عجل إلى بيروت ليكوّن فريقاً مقابلاً لنادر الحريري ويضم الرئيس فؤاد السنيورة والصحافيين نديم قطيش وأحمد عدنان وبعض الأصوات.
الأصوات المؤيدة للسعودية ولدول الخليج في لبنان اقتصرت على القوات اللبنانية التي قال رئيسها سمير جعجع إن الأولوية هي لمقاربة أسباب استقالة الحريري بمعزل عن وجوده في السعودية، كذلك فإن مواقف رئيس حزب الكتائب سامي الجميل تصب في الإطار نفسه.
وهناك أيضاً الوزير السابق أشرف ريفي الذي يتخذ مواقف حادة في مهاجمة إيران وحزب الله ونهاد المشنوق وتأييد السياسة السعودية.
نجح محور حزب الله ـــ عون في إزاحة النظر عن أساس استقالة الحريري وعن مضمون بيانها وحوّل هذا المحور أنظار اللبنانيين والعالم إلى قضية بقاء الحريري في الرياض على أساس أنها أصل المشكلة وأنها تطاول السيادة اللبنانية.
واقع الحال في لبنان اليوم أن تحويل النظر المحلي والدولي عن أساس استقالة الحريري، يبعد النظر عن حزب الله وعن أدواره في خرق أمن دول المنطقة وانغماسه في تدريب الجماعات الإرهابية، واللافت أيضاً أن معظم وسائل الإعلام اللبنانية انجرت إلى هذا الاتجاه من حيث التركيز على الحريري ووجوده في المملكة وإهمال أسباب استقالته.
وهذا مؤشر مهم على تراجع دور الإعلام السياسي أو حتى غيابه ويوجب على دول الخليج اتخاذ مبادرة في اتجاه إيجاد منصات تتولى المواجهة الإعلامية في الداخل اللبناني.
ثانياً الجانب الأمني:
تفيد معلوماتنا الخاصة بأن الوضع الأمني في لبنان ليس جيداً وأن القوى الأمنية على اختلافها تعمل جاهدة لضبطه لكن هناك تخوفاً كبيراً من حدوث عمليات اغتيال سياسي بهدف هزّ الوضع الأمني وفتح الساحة اللبنانية على الاحتمالات كافة. وهذه التهديدات تطاول شخصيات سياسية لبنانية بارزة، لكنها لا تستثني أيضاً شخصيات أخرى، وهذه المعطيات قد تحتم على دول غربية اتخاذ إجراءات لسحب رعاياها وبعثاتها الديبلوماسية من باب الحماية.
كانت بارزة أيضاً تحضيرات قوى سياسية لتظاهرات مؤيدة للسعودية وأخرى للضغط عليها. فمناصرو الوزير أشرف ريفي أقاموا بالتعاون مع حزب الوطنيين الأحرار تظاهرة متواضعة في أحد شوارع بيروت لم تكتمل بسبب خلافات بينهما. أما التظاهرات التي أعد لها نادر الحريري من تحت الطاولة لتخرج بشعارات للضغط على السعودية فجرى تأجيلها بطلب من وزارة الداخلية التي ذكّرت بقواعد التظاهر.
تشير المعلومات إلى أن نادر الحريري ونهاد المشنوق وزير الداخلية قرّرا تأجيل هذه التحركات إلى وقت يكون أكثر ملاءمة للضغط على السعودية في الشارع.
من جهته وظّف رئيس الجمهورية سباق ماراثون بيروت في اتجاه الضغط على السعودية لمطالبتها بإعادة الحريري إلى بيروت. فهذا السباق الذي شارك فيه عشرات الآلاف حمل شعارات تطالب بالإفراج عن الحريري.
ثالثاً: الجانب الاقتصادي:
الخوف الحقيقي هو من تدهور الوضع الاقتصادي في الأيام المقبلة نتيجة الخطوات المرتقبة التي قد تتخذها دول الخليج، وهذا ما يثير هلع اللبنانيين وتساؤلاتهم، إذ يخشون أن تقدم السعودية والإمارات تحديداً على اتخاذ إجراءات تصيب الاقتصاد اللبناني في مقتل.
هذه الإجراءات تتضمن على وجه التحديد:
1. وقف خطوط الطيران في الاتجاهين.
2. وقف تعامل المصارف الخليجية مع المصارف اللبنانية.
3. وقف التحويلات إلى لبنان، خصوصاً في ظل وجود نحو 550 ألف لبناني في الخليج بينهم ما لا يقل عن 350 ألفاً في السعودية. وتبلغ تحويلات اللبنانيين العاملين في الخليج إلى لبنان نحو 4.5 مليار دولار بينها 2.5 مليار دولار من السعودية وحدها.
وبالتالي فإن وقف هذه التحويلات سيصيب المجتمع اللبناني في مقتل.
4. ترحيل اللبنانيين من الخليج، خصوصاً في ظل الاكتظاظ السكاني في لبنان نتيجة وجود 1.5 مليون نازح سوري.
5. قطع العلاقات التجارية.
6. سحب الودائع الخليجية من المصارف اللبنانية والودائع من مصرف لبنان.
د. حمد سعيد الشامسي
السفير
13/11/2017