في 6 نيسان 2018، أطلقت الحكومة اللبنانيّة برنامجًا للاستثمار الرأسمالي لربّما هو الأكبر في تاريخ البلاد، إذ تزيد قيمته على 20 مليار دولار. وقد نُظّمَ مؤتمر سيدر في باريس والّذي يستهدف التحسينات الضروريّة في منظومة البنية التحتيّة الضعيفة للبلاد، لتأمين دعم المانحين الأجانب. ثمة إقرار عام بأنّ لبنان يعاني من التردّي الوخيم لنوعيّة بنيته التحتيّة، ولا سيّما عند مقارنتها بدول أخرى مشابهة من حيث عدد السكّان ومستوى التنمية الاقتصاديّة. لكن، ما من إقرار مماثل بارتباط هذا التردّي بالمستويات المرتفعة من الفساد والإنفاق غير المجدي. وبالفعل، فلو أراد لبنان الاستفادة حقًّا من الاستثمار الرأسمالي الأجنبي، لا بدّ له من أن يتّخذ إجراءات جادّة لمكافحة الفساد في القطاع العام.

إنّ مشكلة تدهور البنية التحتيّة يرجع تاريخها إلى عقود مضت، وتنبع من عوامل مختلفة ومعقّدة. فقد دمّرت الحرب الأهليّة بين عامَي 1975 و1990، كما الحرب الأخيرة مع إسرائيل عام 2006، أجزاء كبيرة من البنية التحتيّة للبلد، في حين لم يكن الاستثمار الحكومي، الّذي بقي متدنّيًا، كافيًا للحفاظ على المرافق العامّة، فما بالك بتحسينها؟ وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، أنفقت الحكومة ما يعادل 1.8% من إجمالي الناتج المحلّي سنويًّا على الاستثمار الحكومي، وهو رقم متواضع إذا ما قورن بالمعدّل العالمي البالغ 5% من إجمالي الناتج المحلّي. وخلال السنوات السبع الماضية، تعرّضت البنية التحتيّة اللبنانيّة لمزيد من الضغط بفعل توافد ما يربو على مليون لاجئ سوري إلى البلاد. غير أنّ الفجوة بين لبنان والبلدان المتّخذة أساسًا للمقارنة في مجال البنية التحتيّة كانت كبيرة بشكل مماثل قبل عام 2011، ما يشير الى أنّ هذا العامل يؤدي دورًا ثانويًّا في تفسير ضعف الأداء المتمادي للبنية التحتيّة في البلد.
يُصنّف لبنان من بين البلدان الّتي تعاني من أردأ نوعيّة للبنى التحتيّة الحكوميّة في العالم. وبحسب تقرير القدرة التنافسيّة العالميّة للمنتدى الاقتصادي العالمي، يحتلّ لبنان المرتبة 130 بين 137 بلدًا من حيث نوعيّة البنية التحتيّة. وتوجد علاقة وطيدة بين مستوى التنمية الاقتصاديّة في بلد معيّن ونوعيّة البنية التحتيّة فيه، وهي علاقة ثنائيّة الاتّجاه: فالبلدان الأكثر ثراءً تتمتّع بقدرٍ أكبر من الموارد لتحسين بنيتها التحتيّة، كما أنّ البنية التحتيّة المعزّزة تساعد البلدان على تحقيق النموّ والدفع بالتنمية الاقتصاديّة. إلا أنّ حالة البنية التحتيّة في لبنان أسوأ منها في البلدان الأخرى الّتي تتمتّع بمستويات مماثلة من التنمية الاقتصاديّة (مثل الأرجنتين، أو إيران، أو المكسيك، أو تايلندا، أو بلغاريا، أو بيلاروسيا). وهي توازي البنية التحتيّة في بعض البلدان الأقلّ نموًّا، ولا تفوق مرتبةً سوى نيجيريا، والكاميرون، واليمن، وهايتي، والكونغو، وتشاد، وموريتانيا. وتشتمل أوجه القصور في البنية التحتيّة على تردّي نوعيّة الطرق، والانقطاع المتكرّر للتيّار الكهربائي، وعدم القدرة على إدارة النفايات الصلبة بشكل ملائم.
لا بدّ من حشد الموارد لتمويل الاستثمارات، إلا أنّ ذلك لا يكفي لحلّ النقص الهائل في البنية التحتيّة في لبنان. فإلى جانب زيادة الاستثمارات، يحتاج لبنان إلى إجراء تحسين جوهري لفاعليّة الإنفاق العام على هذه الاستثمارات. خلال العقد الأخير، تدهورت الحوكمة والشفافية الماليّة إلى حدّ بعيد في لبنان، وهي ظاهرة نشأت لأسباب ليس أقلّها الفساد المستشري في الحقل العام. ويتّضح من مؤشرات قياسية مختلفة، مثل مؤشّر الفساد الصادر عن منظّمة الشفافية الدوليّة، أو مؤشّر انتشار المدفوعات المخالفة والرشى الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أنّ لبنان يقع ضمن شريحة الـ 20% الأسوأ بين البلدان من حيث الفساد، والشفافيّة، والمساءلة. ويعطّل الفساد فاعليّة الإنفاق العام، كما يؤدّي إلى سوء توزيع الأموال، بما يحدّ من التحسينات في نوعيّة البنية التحتيّة مقابل كلّ دولار مستثمر. ويُصنّف لبنان بين البلدان الأدنى مستوى من حيث فاعليّة الإنفاق العام [1]، وهو بذلك يلي بشكل مباشر بلدانًا، مثل: فنزويلا، البرازيل، السالفادور وزيمبابوي.

يؤدي اللجوء السوري دورًا ثانويًّا في تفسير ضعف الأداء المتمادي للبنية التحتيّة في البلد


وعند أخذ كلّ ذلك بالاعتبار، يتبيّن لنا أنّ الأوان قد آن للمطالبة بتغييرات هيكليّة لزيادة المساءلة في الماليّة العامّة وخفض الفساد، وبتعزيز إطار إدارة الاستثمار العام قبل الالتزام بأي استثمارات كبيرة وجذب الرساميل الدوليّة لهذا الغرض. وتُعتبر الأطُر التنظيميّة بشكل خاص جوهريّة لمكافحة الفساد، مثل توفير الحماية القانونيّة للمبلّغين عن المخالفات، والارتقاء بعمليّات مراجعة الحسابات المستقلّة، واعتماد التشريعات الّتي تشترط على المسؤولين الحكوميّين التصريح علنًا عن ممتلكاتهم، وتعزيز الشفافيّة في مجال المشتريات العامة، وتزويد وكالة مكافحة الفساد المنوي إنشاؤها بصلاحيّات فعليّة. وفي هذا الإطار، يتعيّن إيلاء الأولويّة لنقاش معالجة الفساد وتحسين الحوكمة والمساءلة على جدول أعمال مؤتمر «سيدر» في باريس، بغية تعزيز نجاعة أيّ جهود استثماريّة تهدف إلى تحسين البنية التحتيّة في لبنان.

[1] تصنيف البيانات على أساس المؤشّر النوعي الّذي وضعه تقرير القدرة التنافسيّة العالميّة للمنتدى الاقتصادي العالمي.

* باحث رئيسي لدى المركز اللبناني للدراسات. تشمل مجالات عمله حصول اللاجئين على فرص العمل والخدمات الاجتماعية، وتطوير المناطق المتأخرة في لبنان، وتفضيلات المواطنين بالنسبة إلى الإنفاق الحكومي. قبل انضمامه إلى المركز اللبناني للدراسات، شغل منصب مستشار سوق العمل والهجرة لدى البنك الدولي ووزارة العمل في المملكة العربية السعودية. كما عمل لمدة ست سنوات باحثاً اقتصادياً في البنك المركزي الإسباني، حيث قام بتغطية مجموعة من المواضيع الاقتصادية الكلية مثل السياسة المالية وأسواق العمل والتخلّص من الديون، كما نشر العديد من الأوراق، ومثّل المؤسسة في المحافل الدولية. يحمل درجة الماجستير في الإدارة العامة والتنمية الدولية من كلية هارفارد كينيدي للإدارة الحكومية.