لم تُعلِّق السفارتان الإماراتية والأردنية على المراسلات السريّة الصادرة عنهما، والتي نشرتها «الأخبار» في الأيام الثلاثة الماضية. داخلياً، لم يكن هناك سوى نفي ضعيف من الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية التي تحدثت عن «فبركة» التقارير لتبدو قريبة من الواقع. بينما كان الأجدر أن يخرج رئيس الهيئة التنفيذية في هذا الحزب سمير جعجع ليتّهم السفير الإماراتي بالكذب أو أن يبادر الأخير إلى النفي لكون المراسلات طاولته شخصياً. أما خارجياً، فإن تعليق وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، كان أكثر ارتباكاً من رد القوات. فهو نسب ما هو منشور إلى إيران، ووضع «الأخبار» إلى جانب وكالة «فارس»، ثم طالب بتحرّي المصدر! لم يعد النفي مهماً طالما أنّ هذه الوثائق تحمل القوة المعنوية والمادية نفسها لوثائق «ويكيليكس».

وقد تلقّف هذه الوثائق المغرّد السعودي الشهير «مجتهد» وعدد كبير من وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، ملاقية الإعلام القطري الذي سارع إلى إعطاء مساحة كبيرة للقضية في قنواته. سبب الاهتمام القطري بالوثائق الإماراتية معروف: الحقد يطبع العلاقة بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى، والشماتة بعدما لحظت التقارير كلاماً للسفير الكويتي في لبنان يقول فيه إنّ حاكم الإمارات، محمد بن زايد، يسعى إلى تفكيك السعودية. وبطبيعة الحال، سيتخذ الإماراتيون تغطية «الجزيرة» وأخواتها ذريعة ليقولوا إن قطر هي أحد المشتبه في مسؤوليتهم عن التسريبات.
الوثائق المنشورة، وهي عبارة عن تقارير دورية كان يرفعها كل من السفير الإماراتي حمد سعيد الشامسي والسفير الأردني نبيل مصاروه، لإدارتيهما، والمؤرخة في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، كشفت واقع الجهاز الديبلوماسي الإماراتي. الضابط برتبة سفير في لبنان، حمد الشامسي، يتصرّف كما لو أنه محلل سياسي هاوٍ، لا سفير دولة تقدّم نفسها كواحدة من صناع القرار في الإقليم. لا يذكر مصادر معلوماته، ويبني برقياته على أمنيات أكثر من الاستناد إلى وقائع. تجده يماشي السياسة السعودية ومتهوّري فريق 14 آذار، فيحرّض على الرئيس سعد الحريري. لا يرى في الاستقرار سوى خسارة، وفي التسوية سوى تنازلات. وعندما تقع الواقعة يوم 4 تشرين الثاني 2017 (اختطاف الرئيس سعد الحريري وإجباره على الاستقالة في السعودية)، يبدو منتشياً بالحدث، مستبعداً أي انعكاسات سلبية له. في المرحلة اللاحقة، ظهر الموقف اللبناني الرافض للمغامرة الانقلابية السعودية، فبدا السفير الإماراتي مصدوماً يندب حظ السعودية. يرى في الموقف الرسمي اللبناني ابتزازاً، ويشكو انقسام تيار «المستقبل» وتفرّق العشاق من حول دول الخليج، وعجز الإعلام الموالي لها عن مواكبة سياساتها.
بين «الإمارات ليكس» وبرقيات السفارات الأميركية التي نشرها موقع «ويكيليكس» فرق شاسع. في الأولى، انطباعات السفير تطغى على المعلومات. ومعلوماته غير موثقة، ولا تُذكر مصادرها دوماً. أما في البرقيات الأميركية، فكل شيء موثق. وانطباعات السفير (جيفري فيلتمان تحديداً)، تُصاغ بلغة رصينة، لكن غير جافة، تمنح التقارير الديبلوماسية عاملاً مسلياً يُضاف إلى ما فيها من متعة ناتجة من معرفة ما يدور خلف الأبواب الموصدة.
ما نشرته «الأخبار» حتى الآن، وما ستنشره لاحقاً، يكشف الكثير عن آلية عمل الإمارات في لبنان، بعدما بقيت «محيّدة» عن الأضواء، إلى حد بعيد. وثائق موقع «ويكيليكس» الأميركية عامي 2010 و2011، والسعودية (2015)، جعلت الديبلوماسيتين الأميركية والسعودية مفضوحتين، وجزءاً كبيراً من أسرارهما متاحاً لاطلاع من يشاء. اليوم، حان وقت الإمارات، الدولة الصغيرة التي تريد لعب أدوار أكبر من حجمها، على مستوى الإقليم، وفي لبنان.