منذ إقرار القانون النسبي للانتخابات لم نسمع أو نقرأ مديحاً واحداً له، باستثناء إدراج الحكومة له في خانة الإنجازات، لتبدو هي الأخرى كأنها أنجزت أمراً في غفلة، وهي لا تدري أنها أصدرت حكماً بإعدام نظام سياسي، وليس انتخابياً فحسب. وربما كان النواب الذين قرروا طوعاً عدم الترشح، والذين قُدِّر عددهم بثلث نواب المجلس الحالي، قد أدركوا هذه الحقيقة، ففضلوا التواري على المشانق؟!

والناظر إلى المشهد السياسي بعيون الماضي لا يجد أمامه سوى فوضى وتفكك للكتل والتحالفات ومواجهات بين أخصام حيناً وحلفاء وشركاء سابقين أحياناً، فيتساءل: هل هذا ما أردناه، أو ما فهمناه من النظام النسبي؟ أم أننا قد جنينا على أنفسنا من دون أن ندري، فأبدلنا «نظاماً هجيناً» بنظام كنّا نعدّه متوحشاً؟

ماذا فعلت براقش بالنواب؟
فهل جنت على نفسها براقش، فحفرت حفرة لخصمها، فوجدت نفسها في الحفرة عينها مع هذا الخصم؟
ثمة من شبّه النظام النسبي بالمظليين الذين كانت تنزلهم الطائرات الألمانية فوق مواقع الحلفاء، فينجو من تفتح مظلته، ويقضي من لا تفتح مظلته، بمعنى أن الذين ينجون من الجنود غالباً هم من يسعفهم الحظ، فيما يبقى القادة في مواقع آمنة.
في الواقع، إن الانتقال من النظام الأكثري في الانتخابات إلى النظام النسبي يعني، في الدرجة الأولى، لمن لم يعِ خطورة العملية، تفكيك الكتل الكبيرة المتوحشة، ونسف الأسس التي قامت عليها التحالفات السياسية، والانتقال من المحدلة والبلدوزر، على الطريقة اللبنانية، إلى البوسطة و«الميني باس» و«الفان»، بحسب عدد الركاب. وهي وسائط محدودة المقاعد لا يصعد إليها إلا من حمل زوادة تضمّ عدد الأصوات التي يملكها، ولا مكان لسواهم في أيٍّ من هذه الوسائط.

إننا أمام ثورة شئنا أو أبينا
هذا في التوصيف. أما في العمق الذي يتحاشى النظر إليه معظم المنتظرين في محطات الركاب، فإننا أمام مرحلة تواكب ثورة تكنولوجيا المعلومات التي أوجدت قارة جديدة هي «قارة المعرفة»، كانت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أبرز إنتاجاتها. وهي أوجدت نوعاً من «الشراكة في الوعي» حيال قضايا وهموم مشتركة، لو تسنّت سابقاً لجماعات الرفض والإصلاح مثلها، لفجّرت أكبر ثورة في العالم المعاصر.
إننا أمام «ديموقراطية متجددة»، بل منتفضة، في مواجهة العولمة واستبداد الأكثريات. ذلك بأن استفراد الأكثريات لما يمكن أن نطلق عليه مجازاً «الأقليات»، أي تلك التي تحوز 49 في المئة في مقابل الـ51 في المئة، وهي أكثريات متوحشة، تربعت على عروش السلطة فطغت وعزلت وهمّشت، كذلك أدى استغلالها للعصبيات الطائفية والمذهبية والإتنية إلى إجهاض أي إمكان لتحول «الأقليات» أكثرية جديرة بالحلول مكان الأكثرية المتسلطة وتصحيح أخطائها.

نوع جديد من الأقليات
وهنا لا بد من شرح مفهومنا للأقليات، إذ هي مختلفة عن تلك التي عرفناها في أدبياتنا اللبنانية والعربية، أي الأقليات الطائفية والمذهبية والإتنية، وحتى العنصرية. والمقصود بالأقليات هنا هي الجماعات المختلفة التي يتكون منها المجتمع، على تعددها وتنوعها، مثل منظومات ما عرف بـ«المجتمع المدني» أو الشعبي التي تضم حركات اجتماعية وفكرية وثقافية وبيئية وشبابية وطالبية وعمالية وفلاحية وقطرية ومناطقية وجندرية إلخ... وقد نزل إلى الشارع بعضها مثل «طلعت ريحتكن»، و«طفح الكيل»، و«بدنا نحاسب»، وغيرها كالتجمعات المناهضة للعنصرية وللعنف الأسري، والمطالِبة بالزواج المدني، وبمنح المرأة جنسيتها لأبنائها، وتلك الداعية إلى نظام مدني علماني، وهي حركات تعبّر عن توق أكثرية مواجِهة، لكنها «مرذولة» ومهمّشة، ومستفردة. وهذه الحركات وأمثالها لو تيسر لها نظام انتخابي يتيح لها التمثّل الحقيقي والعادل والمتكافئ، لكانت حققت أعظم «أكثرية» شعبية يمكن أن يتصورها لبناني.
يضاف إلى هؤلاء ما تشهده بعض المجتمعات الحية من حركات رفضية يُتهم القائمون بها ظلماً بـ«الإرهاب» لأنهم لا يملكون سوى أرجلهم وقبضات أيديهم في مواجهة الظلم والإفقار والبطالة والتخلُّف الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ومصادرة الموارد ونهبها، واستنزاف الطاقات الإنسانية بالتهجير والتغريب.

«صدمة المستقبل» صبيحة 7 أيار
إننا أمام ما يعرف بـ«صدمة المستقبل» التي تهدف إلى إعادة الاعتبار إلى المواطن الفرد، عبر صندوق الاقتراع النسبي، والذي يضمن التعدد ويقضي على ظاهرة الدفع بالكثير من المواطنين، إلى مراكز الاقتراع، باسم المال. ذلك بأن التعدد يرمز إلى الحرية، كما يضمن حقوق الجميع في مواجهة التكتلات الكبرى المتوحشة التي لا ترى أمامها سوى مصالحها.
وعلى نقيض الكتل الكبرى، وكارتيلات المال التي تعودت شراء الضمائر، فإن الصدمة الديموقراطية التي يحدثها النظام النسبي في الانتخابات والذي يقوم على تحرير الأفراد، بفعل تفكيك الكتل المهيمنة على النظام، ستجعل إعادة تكوين تلك الكتل أمراً في غاية الصعوبة. وهذا يعني قيام وحدات صغيرة ومتوسطة تتمتع بمشروعية شعبية حقيقية.

وثمة من يسأل: كيف ستجري عملية التفكيك؟
الجواب قدمته لنا طريقة تأليف اللوائح، على غرابتها وتناقضاتها وسورياليتها أحياناً.
إننا في مرحلة تجريبية، لا بد أن نشهد فيها عمليات موجعة يتنافس فيها الابن مع الأب، والحليف مع الحليف، ويتضامن فيها الصديق مع من كان أمس عدواً. ذلك بأن تحديث النظام الديموقراطي يحتاج إلى خطوات تعزز دور من وصفناهم مجازاً بالأقليات، بحيث يُتاح لهذه فرصة الانتقال إلى الهدف الحقيقي من اعتماد النسبية، وهو تكوين أكثرية منسجمة ذات تمثيل حقيقي. ويصف البعض هذه العملية بأنها انتقال من «تمثيل الآخرين لنا إلى تمثيلنا لأنفسنا»، وهذا يحتاج إلى وعي وثقافة يتحققان تدريجاً.

ماذا سيجري في ٧ أيار؟
سلسلة مفاجآت هي من صلب النظام الجديد، وعلى الذي اكتفى منه بعناوينه أن يدرك جوهره ومراميه. ولعل أول عمل مطلوب من حكومة العهد الأولى إنجازه، تعزيزاً لهذا النظام وإفرازاته، هو التوجه نحو اللامركزية، فهي فلقة توأمه وكفيلة بتحويل لبنان «قرية ديموقراطية» تحتذى تجربتها بكل راحة.