مُجرّد 8 كلم، هي المسافة الفاصلة بين زغرتا الزاوية ومدينة طرابلس، لكن الفارق في الحماسة الانتخابية بين المدينتين الشماليتين شاسع جداً. في الفيحاء، النفوس مشحونة مع ارتفاع المخاوف من أحداث أمنية. لا يمرّ يومٌ من دون احتفال شعبي وإشكال. أمّا في زغرتا، فالشارع هادئ إلى حد الركود قبل أسبوعين من الانتخابات النيابية. «عنّا النتيجة معروفة»، يقول أحد مُناصري تيار المردة. على هذه الجبهة، احتمال (ولو كان مُجرّد احتمال) خسارة مقعدين من أصل ثلاثة، مُستبعدٌ من قبل «المردة». تماماً كما يضمن مؤيدو رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، فوزه بمقعده.

الركود، لا يعني أنّ الزغرتاويين غير مُهتمين بالانتخابات. الناخبون، على اختلاف انتماءاتهم، مُسيّسون. ولكلّ فريق سياسي عنوانٌ للمعركة، على أساسها يُحاول استنهاض قواعده.
النائب سليمان فرنجية، يخوض معركة إثبات الزعامة القوية والمُتجذرة في زغرتا، المُعمّدة بدم شُهداء مجزرة إهدن عام 1978 (أو دعوسة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للزغرتاويين، كما تباهت النائبة ستريدا طوق، في 21 تشرين الأول الماضي). ميشال معوض يريد كسر «الأحادية» في زغرتا الزاوية. أما التيار الوطني الحرّ، وتحديداً الوزير جبران باسيل، فلديه «ثأر» مع فرنجية يُريد أن يأخذه. معركة باسيل الزغرتاوية قائمة على كَسر فرنجية في عرينه. ليس سمير جعجع بعيداً عن هدف باسيل، وإن كان كلّ منهما في موقع مُنافس للثاني. فرؤساء الأحزاب الثلاثة، في دائرة الشمال الثالثة، يخوضون الانتخابات النيابية من دون أن تغيب عن بالهم الانتخابات الرئاسية المُقبلة.
العائلات هي أساس تكوين زغرتا السياسية. قامت بدور منذ بداية الحرب الأهلية، مع تأسيس لواء المردة، وتولّي كلّ واحدة من العائلات الخمس (دويهي، معوض، فرنجية، كرم وبولس) تمويل كتيبةٍ من المقاتلين. لا تزال العائلات تتحكّم بمصير زغرتا. فبات فرنجية ــ دويهي ــ كرم يُشكّلون حلفاً، في مواجهة معوض ــ بولس. لا «يتقوقعون» على أنفسهم، سوى حين يتربّص بهم «الغريب»، كما فعلوا خلال الانتخابات البلدية الأخيرة لمنع «التيار» و«القوات» من السيطرة على بلدية زغرتا.
استعان رئيس حركة الاستقلال، حالياً، بالتيار الوطني الحرّ من أجل مواجهة فرنجية. «حلفهما ليس ضعيفاً»، تقول مصادر سياسية في المدينة. لا ينفي ذلك وجود عقبات عند أنصار معوض، يعمل على حلّها. كالعديد من وعود معوض الخدماتية، غير المُنفذة منذ انتخابات 2009؛ مشاكله المادية وابتعاده لفترة عن زغرتا بحُكم أعماله؛ امتعاض جُزء من قاعدته من التوافق البلدي مع «المردة» (جزءٌ من جمهور تيار المردة اعترض أيضاً على التوافق، في حينه، لكن تماسك ماكينة «المردة» وجمهورها أكثر من معوض، أدّى إلى أن تتجاوز العقبات بشكل أسرع)؛ والمساحة الشعبية المشتركة بين معوض والقوات اللبنانية في القضاء، التي من غير المعلوم بعد كم سيحوز معوض منها والنسبة التي «ستثور» عليه جرّاء تحالفه مع العونيين. «نحن مُتفهمون لطبيعة التحالف الانتخابي بين ميشال بك والتيار»، يُعلّق أحد مُناصري الرجل. هذا التحالف الذي كان نائب رئيس الرابطة المارونية توفيق معوض أحد الساعين إليه.

تؤكد مصادر سياسية أنّ حلف معوض ـــ التيار العوني ليس ضعيفاً


لماكينة حركة الاستقلال وجود في معظم بلدات القضاء، مُحاولةً تلبية عددٍ من الخدمات. وقد استفادت من خلاف سليم كرم ـــ اسطفان الدويهي، لبثّ أخبارٍ عن أنّ كرم سيدعم باسيل. أحد خصوم معوض، هو القوات اللبنانية (رغم ترداده أنّ معركته ليست مع جعجع). فقيادة معراب تعمل بشكل جدّي لضبط قاعدتها المُشتركة مع حليفها السابق، و«قمع» الحركة الاعتراضية الداخلية. وفق المعلومات، يتواصل جعجع مع الحردانين من أجل مُصالحتهم. مُنسّق القوات فهد جرجس، الذي علّق مهماته ردّاً على ترشيح ماريوس بعيني، لا يزال مُنكفئاً، من دون أن يخوض معركة ضدّ حزبه.
لا تجد التدخلات الأمنية مرقداً لها في زغرتا. «هناك استغلال لمؤسسات الدولة عبر التوظيفات، ووعود بمشاريع، ولكن لا يُمكن مقارنتها بما يحصل في طرابلس مثلاً». أكثر من يلعب على هذا الوتر، هو التيار الوطني الحرّ. مُرشحه الوزير بيار رفول، «يُبشّر» الزغرتاويين يومياً بـ«مشاريع» تنموية: إنارة، إحالة مشاريع صرف صحي إلى دائرة المناقصات، تركيب محطات كهربائية... حركة العونيين أثّرت في قسمٍ من الناخبين الذين كانوا يضعون رجلاً لدى تيار المردة وأخرى لدى التيار الحرّ. لا يُعير مُناصرو «المردة» أهميّة لهذا «التفلّت»، لأنّه أساساً «في الـ 2009، جزءٌ كبير لم ينتخب معنا بسبب الاعتراض على عدم ترشيح (المُتهم بالعمالة) فايز كرم». وهناك مُحاولات عونيّة، لاستمالة الناخبين من الطائفة السنيّة، وهم يلتقون بذلك مع جعجع الذي استقبل قبل فترةٍ وفداً من أبناء هذه المناطق.
يبقى تيار المردة. لائحة اسطفان الدويهي ـــ سليم كرم ـــ طوني فرنجية، هي الوحيدة التي طفت الخلافات بين أفرادها علناً، بسبب الصراع على الصوت التفضيلي بين الدويهي وكرم. شعر الأخير بمحاولة لـ«إقصائه»، في مقابل تعويم الدويهي «الحائز دعم رئيس مجلس النواب نبيه برّي» (كما يُردد مُناصرو كرم)، فهدّد بأنّ اللائحة تخسر من دونه. سارع «المردة» إلى احتواء الخلاف، فكان الاجتماع الأول بين الوزير السابق يوسف سعادة وكرم، «الذي طلب توزيع الأصوات على الثلاثة. أو تُقسّم الأصوات على المُرشحين الأقوى، وتُمنح حقيبة وزارية للثالث». طبعاً «البيك» لا يعتبر نفسه «الرقم 3». بعد عودة فرنجية من السفر، التقى المُرشحين الثلاثة. يُقال إنّ الاجتماع كان إيجابياً، ولكن لا يزال كرم مُتهيباً من استبعاده، و«المردة» تترك في حساباتها أن يُقاطع جماعة كرم الانتخابات. إلا أنّ مصادر بنشعي تؤكد أنّ «همّنا ليس أن يكون فرنجية الأول في القضاء. بل سنرفع نسبة الاقتراع أعلى من الـ 2009، مُلتزمين بتوزيع الأصوات على الحليفين بشكلٍ مدروس».



المقاهي ليست للسياسة
التركيز على مدينة زغرتا، لأنّها عاصمة القضاء سياسياً، لا يعني إغفال البلدات الأخرى، التي تؤدي دوراً انتخابياً مُهمّاً، وتنتشر فيها بقيّة الأحزاب «غير الزغرتاوية». الجميع، في هذه المدينة/ القرية، يتحدّث «سياسة». آراء قسمٍ من الرأي العام يُمكن ملامستها من خلال مُجالستهم في المقاهي. «تحت الدلبة» في ميدان إهدن، كانت بداية هذه «الثقافة». وبين المقاهي وزغرتا، حكاية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. قبلها، كان الخيّاط أو الكندرجي، مركز التقاء «المُثقفين» والمُنظرين السياسيين. أما المقاهي، فللهو. بداية «القهوة» في زغرتا سُجلت مع جريج عيروت، الذي كان يُراقص بين أصابعه الفناجين، وهو يدور في شوارع زغرتا، حاملاً ابريق القهوة. أقنعوه بأن يُكبّر مصلحته، ويفتتح مقهى، حيث بات يلتقي المناضلون من يساريين وقوميين اجتماعيين. اليوم، لم تعد مقاهي زغرتا مركزاً لـ«صناعة» السياسة في القضاء، أكثر من كونها مُلتقى لتمضية الوقت.