من حسن حظ أبناء منطقة العرقوب تحديداً أن القوانين الانتخابية المتعاقبة تخصص مقعداً نيابياً سنياً لمنطقة حاصبيا ـــ مرجعيون. يزيد عدد الناخبين السنة في دائرة الجنوب الثالثة (بنت جبيل والنبطية وحاصبيا ـــ مرجعيون)، على 28 ألف ناخب. مع القانون النسبي، صار لصوتهم أن يشكل رافعة لأي لائحة تريد أن تعارض حزب الله وحركة أمل، وصولاً إلى محاولة بلوغ عتبة الحاصل الانتخابي الواحد بالحد الأدنى. على هذا الأساس، قرر رئيس تيار المستقبل سعد الحريري أن يستكشف منطقة العرقوب للمرة الأولى في حياته. ما حظي به سنّة حاصبيا ومرجعيون لن يحظى به سنّة صور والزهراني البالغ عددهم حوالى 18 ألفاً (منهم خمسة آلاف مجنس)، لأن القانون لا يخصص لهم مقعداً في هذه الدائرة. هنا تتوزع المقاعد: ستة للشيعة وواحد للكاثوليك.

خلال إطلاق لائحة «صوت واحد للتغيير» المدعومة من الحزب الشيوعي اللبناني ورياض الأسعد، انبرى غالب أبو ساري من بلدة الضهيرة للمطالبة باستحداث مقعد لسنّة صور. الرجل الآتي من خلفية وطنية، أوصله التحاصص الطائفي للقول إن أقلية السنة في المنطقة ضائعون ولا مرجعية سياسية طائفية يحتكمون إليها.
وعلى غرار باقي الأقليات، يتفاوت سنّة دائرة الجنوب الثانية (صور والزهراني) بين الانتماء العفوي للبيئة التي يعيشون فيها وبين نداءات الهوية المصطنعة أو الولاءات المستجدة أو بعض الفورات الانفعالية، كما حصل في المرحلة التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري. قبل نكبة عام 1948 وبعدها، كان امتداد قرى الشعب (القرى الحدودية السنية في صور) والتجمعات السنية في المنطقة، موجهاً نحو العمق الفلسطيني السني. تأثر هؤلاء بالمناخ القومي العربي ونهوض بعض حركات التحرر العربية والمقاومة الفلسطينية. ازدهرت في الستينيات الأحزاب العقائدية، وخصوصاً حزب البعث والتيارات الناصرية، قبل أن تأتي حقبة السبعينيات ويطغى حضور المقاومة الفلسطينية وأحزاب الحركة الوطنية، بما فيها الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي. هذه الانتماءات الأممية والقومية لم تحجب الأبعاد المحلية. الأصول المشتركة بين آل الأسعد وعدد من عشائر المنطقة، عززت الولاء لأحمد الأسعد ومن ثم لنجله كامل. الأسعدية شكلت مظلة لزعامات محلية عدة كآل صفي الدين. برغم قلة عددهم، أدرك أهالي قرى الشعب أهمية أصواتهم في الانتخابات النيابية.
في عام 1968، اشترط أهالي قرى الشعب على المرشح النائب علي عرب تمويل بناء مدرسة في يارين مقابل منحه أصواتهم. في انتخابات 1972، جذبتهم شعارات التحرر والإصلاح التي رفعها علي الخليل. حينذاك، صوتت قرى الشعب لمصلحة الخليل (في يارين وحدها نال 387 صوتاً من أصل 500). الخليل، بدوره، كان وفياً لهم. ومن أبرز الخدمات التي تنسب إليه، الاستحصال على موافقة وزارة الداخلية لشق طريق من يارين إلى مزرعة الزلوطية.
تهجير أهالي يارين ومحيطها وجرف بيوتها في تموز عام 1977 عزز الانتماء للتيارات الوطنية والقومية. هذا الانتماء ثبّته المهجرون في الأماكن الجديدة التي استقروا فيها من صور والزهراني إلى بيروت. هي بطبيعتها أماكن مختلطة طائفياً ومذهبياً، ومتنوعة الانتماءات السياسية والمنابت الاجتماعية.
مع التحرير في عام 2000، عاد جزء من المهجرين إلى القرى المحررة وبقي جزء آخر في أماكن الإقامة الجديدة، حالهم كحال غيرهم من أبناء الجنوب. انضوى مُعظم سنّة الزهراني تحت عباءة الزعامات السنية في صيدا بسبب قرب بلداتهم وتجمعاتهم من عاصمة الجنوب... لطالما شعرت هذه الشريحة بالأمان في العقود الماضية، إلا أن التفاهم الذي جمع الرئيسين نبيه بري ورفيق الحريري، في مرحلة «الترويكا» (1992ـــ 2005)، ارتدّ إيجاباً لمصلحة بهية الحريري، منذ عام 1992، فصارت حليفة دائمة للرئيس بري، وارتد هذا التحالف إيجاباً على هذا الجمهور. أغدق بري من خلال نفوذه في مؤسسات الدولة الخدمات على البلدات السنية في الزهراني وصور، سعياً إلى اجتذاب أصواتها، وهذه هي حال البلدات المسيحية في معظم الأقضية الجنوبية.
تضاعفت الخدمات بعد التحرير. إنشاء شبكات للمياه والكهرباء والصرف الصحي وتوزيع رخص التبغ وتشييد المدارس الرسمية، كسب بري ولاء قرى الشعب ذات الغالبية السنية وتجمعات أهاليها النازحين، إضافة إلى المجنسين. في يارين على سبيل المثال، تولى مجلس الجنوب تنفيذ البنى التحتية، في حين افتتحت مؤسسة الحريري مستوصفاً. الجماعة الإسلامية نافست على الولاء في إطار المزايدات المذهبية. افتتحت في يارين مستوصفاً ومدرسة وفي سواها مشاريع أخرى بينها مساجد.
عندما كان الجنوب دائرة انتخابية واحدة منذ عام 1992، كانت بهية الحريري التي تترشح ضمن لائحة بري، تقدم نفسها مرجعية سياسية للمسلمين السنّة في صور. لكن التقسيمات الانتخابية في 2005 و2009 والتوترات المذهبية والسياسية التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، عدلت المشهد. فقد تراجع اهتمام تيار المستقبل تنموياً وخدماتياً في قرى الشعب وركز على كسب ولاء الناخبين من خلال السيطرة على المناصب السنّية العليا في صور (المفتي وقضاة الشرع) وتطويع العشرات في قوى الأمن الداخلي وتوظيف عدد أقل في مؤسسات الدولة. أما الجماعة الإسلامية، فحافظت على وجودها المستمد من التأييد الذي حظيت به من أبناء المنطقة المقيمين خارجها.
في انتخابات عام 2018، الكل ينشد ودّ هذه الشريحة في موسم الانتخابات. كيف سيتصرف الناخبون؟ هذا ما ستبيّنه نتائج الانتخابات في السابع من أيار المقبل.