من يعرف سيلفانا اللقيس يدرك أنها ليست من الأشخاص الذين يمكن تطويعهم أو حرفهم عن اقتناعاتهم. من يعرفها يدرك أن حياتها لم تعرف سوى النضال في وجه «النظام»، أي نظام يحاول الاعتداء على قضية تراها محقة. ولذلك تحديداً كُثُرٌ من المناضلين الذين رافقوا اللقيس سخروا من ورود اسمها في جملة تعيينات أعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات. سخروا ممن وضع اسمها، ظناً منه أنه بذلك يلمّع صورته ويعطي لإدارته للانتخابات شرعية لا يستحقها. ربما يكون العمل تحت قبة النظام ميزة، لكنها ليست من أحلام سيلفانا، التي لم يهنأ لها العيش يوماً في كنف الأنظمة.

تنفّست سيلفانا الصعداء. أزاحت عن صدرها همّاً لم يكن أمامها قبل يوم أمس سوى نقله إلى المقربين منها. صار هؤلاء يدركون أن صديقتهم «مش مقلّعة» في هيئة لا حول لها ولا قوة. لكنها مع ذلك صمدت. ناقشت مع جمعيات عديدة من «المجمتع المدني» (الذي تمثله في الهيئة) إيجابيات البقاء وسلبياته. نصحها البعض بأن تبقى عثرة في وجه الساعين إلى القفز فوق كل القوانين. سارت في هذا الطريق نحو ستة أشهر. وهي لم تكن وحدها في هذا المصاب. زملاء لها في الهيئة تخبّطوا في الدوامة نفسها. حسموا أمرهم بالبقاء كي لا يعطوا الراغبين في تطيير الانتخابات الفرصة لتحقيق ذلك. هذا حق، لكن سيلفانا اختنقت من رياء السلطة وادّعائها العفّة. فقررت المغادرة من دون ادّعاء بطولات لا تحتاج إليها، هي التي تقفّت ساحات النضال آثار كرسيّها المدولب، منذ تطوعت في «اتحاد المقعدين اللبنانيين» في عام 1986، والذي صار اسمه «الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً».

لا انتخابات نزيهة من دون هيئة إشراف مستقلة


لهذا الاتحاد الذي ترأسه اللقيس منذ عام 1996 إلى اليوم (باستثناء السنوات من 2011 إلى 2013) تاريخ من النضال المطلبي الساعي إلى تكريس حقوق الأشخاص المعوقين (توّج بإقرار القانون 220 في عام 2000 الذي يستمر النضال من أجل تنفيذه كاملاً) وإلى النضال السياسي الرافض للتقسيم والحرب والمطالب بالدولة المدنية، والذي وصل إلى حدّ مواجهة الاحتلال فعلياً.
كل هذا الإرث لا يمكن ألا يكون حاضراً في تعامل اللقيس مع المسؤولية التي ألقيت على كاهلها. ولهذا تحديداً، قررت التحرر من منصة شهادة الزور التي أرهقتها، وكذلك التحرر من الصمت المفروض على أعضاء الهيئة، بما فتح المجال أمام المواطنين للتأكد من أن ما خفي في أداء السلطة السياسية المسؤولة عن إدارة الانتخابات كان أعظم، وأن نزاهة هذه الانتخابات ليست سوى أثر بعد عين.
تبيّنت سيلفانا استحالة قيامها بمهماتها وفق مقتضيات قَسَمها على تأمين حرية الانتخابات ونزاهتها وشفافيتها، في ظل تحول استقلالية الهيئة إلى وهم.
حتى في الملف الأكثر ارتباطاً بنضالات سيلفانا اللقيس، أي حقوق الأشخاص المعوقين، لم تتمكن من التأثير فيه. تخلّف السلطة عميق إلى درجة لا يمكن علاجه. سمعت سيلفانا من أحد المسؤولين، أثناء سعيها إلى تثبيت ممارسة المعوقين لحقّهم بالانتخاب، بعد التلكّؤ في تنفيذ الوعود بإعداد مراكز انتخاب مؤهلة، ما معناه: لو لم نُرد أن يشارك الأشخاص المعوّقون في الانتخابات وأن ينتخبوا، لما اخترنا سيلفانا في الهيئة. هل هكذا يحصل الأشخاص المعوقون على حقّهم في الانتخاب، أم من خلال تجهيز المراكز الانتخابية لاستقبالهم؟ هل تدرك السلطة حجم الإهانة التي وجّهتها لشريحة كبيرة من اللبنانيين؟ أليس لسيلفانا الحق في أن ترفض أن تكون مشاركتها في الهيئة بديلاً من مشاركة الاشخاص المعوقين في الانتخابات؟
كل ما فعلته سيلفانا أنها، انسجاماً مع نفسها، لم تشأ أن تكون جزءاً من ديكور يراد منه الإيحاء أن الأمور منتظمة وأن السلطة وضعت إطاراً ضامناً لعدالة الانتخابات ونزاهتها، فيما هي لم تفعل سوى العكس.