ما ورد على لسان سيلفانا اللقّيس، أمس، إثر استقالتها مِن هيئة الإشراف على الانتخابات، يعني باختصار الآتي: العمليّة الانتخابيّة، برمّتها، أصبحت تحت طائلة الطعن في شرعيّتها. ليس الحديث عن طعن بمرشّح هنا أو هناك، أو بنتائج هذه الدائرة أو تلك، بل الحديث عن الانتخابات مِن أساسها. اللقّيس كانت معيّنة حكوميّاً في الهيئة المذكورة، وقد رأت ما رأت، فحاولت أن تُصلِح مِن الداخل، قبل أن تُدرك أن المسألة أكبر منها وأنّها، إن لم تستقل، ستكون شاهدة زور... وهذا ما لم تقبله.

النظام الداخلي لهيئة الإشراف


ليس عابراً أن يخرج أحد أعضاء هيئة الإشراف المذكورة، قبل نحو أسبوعين على موعد الانتخابات، بإعلان الاستقالة للأسباب الآتية، الأوّل: «عدم توفير الموارد الضروريّة لتمكين الهيئة مِن القيام بمهماتها». الحديث هنا، كما وصفت اللقّيس، كان أقرب إلى «التقصير» لا «القصور». كيف يستقيم لسُلطة، والهيئة هنا صاحبة سُلطة (مستقلة، وأعضاؤها لديهم حصانة أمام القضاء توازي حصانة الوزراء والنوّاب)... أن لا تملك الأدوات والموارد الضروريّة للقيام بعملها؟ هذا يعني، بشكل واضح، عدم وجود هيئة أساساً. وبما أنّه لا انتخابات بلا هيئة إشراف، كشرط لازم في القانون، فنحن أمام سبب فجّ للطعن بالانتخابات أمام المجلس الدستوري. بالمناسبة، هذا «الدستوري» يعمل، حاليّاً، بقوّة الواقع، وإلا فإنّ ولاية أعضائه منتهية منذ نحو ثلاث سنوات (لسبب ما، سبب غامض، لم يُبادر مجلس الوزراء على مدى السنوات الماضية إلى تعيين أعضاء جدد، وكذلك لم يفعل مجلس النوّاب ـــ المجلس الدستوري يُعيّن مناصفة بين السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة). يستمر عمل المجلس المذكور، حالياً، وفق نصّ المادّة الرابعة مِن نظامه الداخلي (الاستثنائيّة).
سبب ثانٍ ذكرته اللقّيس في بيان استقالتها: «المسّ المباشر باستقلاليّة الهيئة وصلاحياتها بداعي التنسيق مع وزارة الداخليّة». هذه شهادة مِن الداخل، فضيحة، سيكون حتماً على المجلس الدستوري، رغم «مدّته الخالصة»، أن يتوقّف عند هذه الدعوى، لأنّ الطعون التي سترده بعد يوم الاقتراع، على ما يبدو، ستكون كثيرة وسيكون عليه أن يُجيب بوضوح. اللقّيس قالت: «في الممارسة، أخذت الأمور منحى مختلفاً، بحيث بات إقرار أيّ مسألة يستوجب مسبقاً ذهاباً وإياباً مِن وإلى وزير الداخلية، الذي هو مرشح، خلافاً لنص القانون وروحيته». هذه «قنبلة إشرافيّة». الجميع يعلم أن وزير الداخلية، الذي يُشرف على إجراء الانتخابات، هو نفسه مرشّح في الانتخابات، إنّما الآن نحن أمام اعتراض، بل استقالة، بسبب هذا «التعارض» الذي كان يُفترض أن يكون بديهيّاً. هذا الفصل أصبح تحصيل حاصل في كثير مِن دول العالم. هنا ما زلنا نعيش وفق «فيكَ الخصام وأنت الخصم والحكم». المادّة 9 مِن قانون الانتخاب الجديد (44) تقول: «تُمارس الهيئة الإشراف على الانتخابات، وفقاً للمهمات المحددة لها في هذا القانون، بصورة مستقلة وبالتنسيق مع وزير الداخلية». هذا نصّ «مفخّخ». حمّال أوجه على طريقة النصوص الكثيرة، في بلادنا، التي توضع على هذا النحو عمداً. مُستقلة مع «تنسيق»... ثم، بالممارسة، يُصبح «التنسيق» مُستقلاً، وهكذا.

ولاية أعضاء المجلس الدستوري منتهية منذ نحو ثلاث سنوات


السبب الثالث للاستقالة، بحسب اللقيس المستقيلة، هو الآتي: «تقليص صلاحيّات الهيئة عملاً بقراءة ضيّقة وملتوية للنص القانوني، على نحو يخرجها عن الغاية التي انوجدت لأجلها، ويحوّلها في أحيان كثيرة ولو خلافاً لإرادة أعضائها إلى أداة لتعميق التمييز بين المرشحين، بدلاً من أن تكون أداة لإلغائه أو التخفيف منه». عن أيّ انتخابات نتحدّث بعد تصريح كهذا! فمثلاً، ليس للهيئة أن تقوم بأيّ إجراء في وجه وزير حالي، رغم كونه مِن المرشحين للانتخابات، وذلك بسبب أنّ لديه حصانة وزاريّة حاليّة! هل مِن «هرطقة» قانونيّة أكثر! ليس للهيئة أن تُرسل لأيّ وزير، مِن بين المرشّحين للنيابة، إنذاراً بسبب مخالفة ثابتة في حقّه! أمّا سائر المرشّحين، فلها أن تُعاقبهم، أن «تفرمهم» لو شاءت، وهنا لها كلّ الصلاحيّات (أقلّه نظريّاً). ما سلف ليس مجرّد ضرب لصلاحيّات الهيئة في القانون، بل هو سخرية مِن روح الدستور ونصّه، الذي يُشير، بوضوح تام، إلى مبدأ «المساواة بين المواطنين» (الفقرة «ج» مِن مقدمة الدستور ـــ وهذه قاعدة عامّة لا شرعيّة لأي قانون يُعارضها). نحن نتحدّث عن 16 عضواً في مجلس الوزراء الحالي مرشّحون للانتخابات النيابيّة المقبلة! مَن سبقنا عليها في العالم؟ بعض العارفين بخفايا «هيئة الإشراف» يقولون إنّ اللقيس، التي بادرت مِن خلفيّة وظيفيّة محض إلى الاستقالة، وهي التي لم يُعرف عنها أيّ انغماس في زواريب السياسة على الطريقة اللبنانيّة، ليست وحدها في الهيئة التي تشعر بامتعاض مِن الإهمال والتهميش والتسييس. هناك أعضاء آخرون يشاركونها النفور مِن الأجواء المحيطة بهم. عموماً، مَن كان يبحث عن إثبات شرعيّة لنفسه في هذه الانتخابات تحديداً، كما هي، فإنّ عليه أن يُعيد حساباته. ليس هذا هو المكان المناسب. هذه انتخابات ستكون بمثابة تعويض للخاسرين، الذين كانوا سيخسرون في مطلق الأحوال، ليقولوا: «إنّها مزيّفة» (وهي كذلك، فعلاً، بصرف النظر عن القائل). مَن يعرف سيلفانا اللقيس يعرف أنّها لم تهدف، باستقالتها، إلى تدمير هيئة الإشراف، إنما فعلت ذلك طمعاً بتصويب مسار عمل هذه الهيئة.
أخيراً، جرت العادة في العالم أن يُطعَن في نتائج الانتخابات بعد صدورها، بعد انتهاء الاقتراع وإعلان نتائج الفرز. أمّا في لبنان، الآن، فإنّ الطعن في شرعيّة الانتخابات بدأ قبل حصول الانتخابات. وهذا، طبعاً، جزء مِن الفرادة اللبنانيّة!