منذ اختراعه، قبل ما يزيد على 100 عام، أصبح البلاستيك جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي ورفيقاً في حياتنا اليومية... قبل أن تصبح هذه المادة التي يستغرق تحللها ما يصل الى 1000 عام، مشكلة عالمية باعتبارها واحدة من أكبر مصادر تلوث البحار والمحيطات. أخيراً، تبيّن أن خطرها وصل الى موائدنا بعدما تبين أن الحبيبات البلاستيكية الصغيرة، كتلك الناجمة عن غسل الملابس، تتسبب في تلويث المياه والتربة.

طبع البلاستيك قرناً بكامله حتى سُمّي «قرن البلاستيك». لطالما رُوّج بأن هذه المادة جعلت العالم أكثر ازدهاراً وصحةً وسعادة. اذ تؤمن إيصال مياه الشرب إلى بيوتنا (بالانابيب او العبوات)، وتساهم في أنظمة عزل المباني لترشيد استهلاك الطاقة، وتوفر منتجات آمنة لقطاع الرعاية الصحية، وتحفظ الأطعمة من خلال التغليف... كل ذلك بوزن أخفّ وسعر أدنى وتلوّث أقل. إذ أن استخدامها في تغليف المنتجات يؤدي إلى خفض متوسط حمولة كل شاحنة بنحو 800 كلغ، ويوفر نحو ليترين من الديزل في كل 100 كلم تقطعها الشاحنات، ويحدّ من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. كما رُوّج بأنها أكثر «صداقة» للبيئة من المواد التقليدية الأخرى. فقد اشارت دراسة لمنظمة International Trucost، نشرت عام 2016، إلى أن الكلفة البيئية للبلاستيك المستخدم في المنتجات الاستهلاكية أقل بما يقارب أربعة أضعاف من كلفة المواد الأخرى. كما أن استخدامه في التغليف، مثلاً، يتطلب طاقة أقل بأربع مرات من الورق، ما يعني استهلاك مياه أقل، وتلوثاً أقل، وهو يحتاج لإعادة تدويره إلى طاقة أقل بنحو 91% من تلك التي يحتاج إليها الورق.

80 الى 90% من حبيبات البلاستيك المتناهي الصغر في وحول مياه الصرف مصدرها ألياف الملابس


في الواقع، تتخطى فوائد البلاستيك في الاقتصاد الدائري فوائد أية مادة أخرى. لكن هذا في البلدان المتقدمة في تصنيع البلاستيك وفي اعادة تدويره واستخدامه في صناعات اخرى. اما البلدان النامية والاستهلاكية فلا تحصّل منه الا الضرر.
أصوات «انصار البلاستيك» بدأت بالخفوت مع ثبوت تسبب هذه المادة ــــ التي تحتاج الى مئات السنين لكي تتحلّل ــــ بكثير من المشاكل البيئية والاقتصادية، وأخيراً الصحية بعدما شقّت الجزيئات الصغيرة منهذه المادة طريقها إلى نظامنا الغذائي.

بلاستيك في السمك...
تنتج هذه الجزيئات (بحجم مليار جزء من الميليمتر تعرف باسم نانو بلاستيك) التي تتناولها المخلوقات البحرية عن تحلل منتجات البلاستيك الأكبر حجماً كالقناني والحقائب وغيرها. وهي تعمل كمادة جاذبة للسموم في الماء فتمتصها لتتحوّل الى بوليمرات معقدة قادرة على اختراق غشاء الأنسجة في خلايا السمك ما يشكل خطراً على مناعة الأسماك وتكاثرها... قبل أن تنتهي على موائد طعامنا.

... وفي التربة والمياه
قليلة جداً كميات البلاستيك التي يُعاد تدويرها، في حين يتم إحراق القسم الأكبر منها في مكبات عشوائية في الهواء الطلق أو في محارق تحويل النفايات إلى طاقة. وفي الحالتين، ينتهي الجزء الأكبر من هذه المادة في المكبات أو في «مدافن» النفايات، حيث يستغرق تحلّلها نحو 1000 عام، مما يؤدي إلى تسرّب المواد السامة التي تتضمنها في التربة والمياه. وتفيد دراسات علمية حديثة أن ثلث النفايات البلاستيكية ينتهي بها المطاف في التربة أو في المياه العذبة، بعد تحلل البلاستيك إلى جسيمات، تعرف باسم «حبيبات البلاستيك المتناهي الصغر». وتحذّر الدراسات من أن هذه الجزيئات الموجودة عملياً في كل أنحاء العالم ذات تأثير طويل الأمد على النظم البيئية بسبب تسرّبها في التربة والمياه العذبة. وخلصت الى أن التلوث بالبلاستيك المتناهي الصغر على اليابسة أعلى بأربعة أضعاف الى 23 ضعفاً منه في البحر.

غسيل الملابس هو السبب!
واحد من المصادر الرئيسية لدخول البلاستيك المتناهي الصغر إلى مياهنا هو ملابسنا. ففي كل مرة نغسل الملابس تنتقل الألياف الدقيقة من الأكريليك والنايلون والألياف والبوليستر إلى محطات معالجة مياه الصرف أو الجور الصحية أو غيرها. وقد وجد باحثون في جامعة كاليفورنيا أن غسل جاكيت مرة واحدة فقط يمكن أن ينقل في المياه ما معدله 1.7 غرام من الألياف الدقيقة!
وفي دراسة حديثة لبرنامج الامم المتحدة للبيئة تبيّن أن 80 الى 90% من حبيبات البلاستيك المتناهي الصغر الموجودة في الوحول الناجمة عن مياه الصرف الصحي (الحمأة) مصدرها ألياف الملابس. وﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ تنتهي هذه الوحول سماداً للأراضي الزراعية، لتنتهي هذه الحبيبات ﻓﻲ التربة. كما يمكن للبلاستيك المعالج بالكلورين أن يطلق مواد كيميائية ضارة في التربة المحيطة، تتسرب إلى المياه الجوفية أو غيرها من مصادر المياه المحيطة. وعندما تختلط جسيمات البلاستيك أثناء تحللها بالتربة تكتسب خواصّ فيزيائية وكيميائية جديدة، مما يزيد من خطر تأثيرها السامّ على الكائنات الحية.

مستحضرات التجميل
واحد من أهم مصادر جزيئات البلاستيك، أيضاً، هي مستحضرات التجميل. إذ تستعمل جزيئات البلاستيك المتناهية الصغر، في صناعة عدد كبير من المستحضرات مثل مزيلات الرائحة وغسول الشعر والجسم وأحمر الشفاه وأصباغ الشعر وغيرها، والتي تنتهي كلها في مجاري المياه.
وهذه الجزيئات، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يستحيل إعادة تدويرها أو تفكيكها في محطات معالجة المياه المبتذلة، لتنتهي في البحار والمحيطات أو في التربة، حيث تمتص ملوثات كيميائية عالية السمية، وتلوث التربة والسلسلة الغذائية البحرية. وقد أدخلت العديد من الدول حول العالم (مثل كندا وايرلندا وهولندا وبريطانيا) تشريعات لحظر صناعة مستحضرات التجميل ومنتجات العناية التي تحتوي على مثل هذه الحبيبات.



محيطات بلاستيكية


بداية عام 2017، أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، خلال القمة العالمية للاقتصاديين المعنية بالمحيطات في مدينة بالي، حملة «بحار نظيفة» للقضاء على المصادر الرئيسية للنفايات البحرية بحلول عام 2022، ومنها الحبيبات الدقيقة التي تستخدم في مستحضرات التجميل، والاستخدام المفرط للبلاستيك الذي يستعمل لمرة واحدة كالأكياس في منافذ التسوق، وأنابيب الامتصاص البلاستيكية، وعبوات المياه البلاستيكية. ولفت البرنامج الى أن التلوث البلاستيكي ينتشر في شواطئ العالم ويستقر في قاع محيطاته، ويشق طريقه إلى طعامنا من خلال سلسلة الغذاء.
وحضت الحملة الحكومات على الالتزام بسياسات الحد من استخدام البلاستيك عبر فرض ضرائب تستهدف تشجيع الشركات الصناعية على تقليل إنتاج البلاستيك والمستهلكين على وقف استخدام أكياس البلاستيك، بعدما زاد انتاج هذه المادة اليوم اكثر بعشرين مرة عنه في العام 1960، وبات ثلث البلاستيك المصنع بات يستخدم في عمليات التغليف.
ولفت البرنامج الى أن «أكثر من 8 ملايين طن من البلاستيك ترسب في المحيطات كل سنة، وتسبب أضرارا على الأحياء البحرية ومصائد الأسماك والسياحة، وتكبد الاقتصاد العالمي خسائر لا تقل عن 8 مليارات دولار». وأشار الى ان «80% من القمامة العائمة في المحيطات من نفايات البلاستيك».
ووفقا لبعض التقديرات، إذا استمرت معدلات التلوث بالوتيرة الحالية فإن كمية البلاستيك في البحار ستكون أكثر من الأسماك بحلول 2050، وستكون 99% من الطيور البحرية قد ابتلعت نفايات بلاستيكية.