شوهد رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات النيابيّة، القاضي نديم عبد الملك، يلتهم كميّة كبيرة مِن الكعك المُحلّى. كان ذلك أمس، في ردهة قاعة الفندق، بُعيد انتهاء لقائه مع الإعلاميين. هكذا كافأ نفسه إثر لقاء حافل بالانفعالات، بالتحدّيات، بالخطابات الإنشائيّة... وبعدم الإجابة عن كثير مِن الأسئلة. في لحظة ما، أثناء اللقاء، شعر أنّه أصبح تحت الضغط. الكلّ يُطالبه. سيل مِن الأسئلة جعله يرفع نبرة صوته. بدا هجوميّاً. جاءه أحدهم، مِن بين أعضاء الهيئة (الذين لم يحضروا كلّهم)، وهمس في أذنه شيئاً. بعدها أصبح أكثر لطفاً: «لا تواخذوني إن كنت انفعلت، أو ارتفع صوتي، لكن أنا هيك طبيعتي. نحن والإعلام شركاء».

لِمَ استقالت سيلفانا اللقّيس مِن هيئتكم قبل أيّام؟ يُجيب عبد الملك: «فوجئنا بذلك. عتبت عليها، وقلت لها كان يجب أن تفصحي لي عن ذلك». يجب! مَن يقول ذلك؟ ربّما على أحد ما أن يُذكّر القاضي السابق بأنّه قاضٍ سابق، وأنّه، الآن، ليس سوى رئيس هيئة عيّنت الحكومة أعضاءها للإشراف على الانتخابات. أيّاً يكن، تابع حديثه: «طلبت مِنها العودة عن استقالتها، فقالت لي أُريد أن أراجع مرجعيّتي». الكلمة الأخيرة «مفخّخة». تركها هكذا مُعلّقة في الهواء. لم يوضح مَن هي مرجعيّتها. هذه مفردة، في لساننا العاميّ، حمّالة أوجه، بل غالباً تأتي في معرض الذمّ. في الواقع، مرجعيّة اللقيس هي هيئات المجتمع المدني. هذا أمر ينصّ عليه القانون، الذي يتحدّث عن إنشاء هيئة الإشراف، مُحدّداً أن يكون أحد الأعضاء مِن تلك الهيئات المدنيّة، تماماً كما ينصّ على أن يكون الرئيس قاضياً سابقاً ونائبه نقيباً سابقاً للمحامين (وهكذا مع سائر الأعضاء ـــ هذا فضلاً عن المرجعيّات السياسيّة المعروفة لبعض الأعضاء). لكن كان لافتاً ما أضافه عبد الملك، إذا قال إنّ «بعض الأسباب التي ذكرتها اللقّيس، في بيان استقالتها، هي ما عانته الهيئة فعلاً. سيلفانا أحبّت أن تُسجّل موقفاً، أمّا نحن فعضضنا على الجراح. لم نستقل لأنّ الانتخابات يجب أن تحصل. لا يُمكننا أن نعطّلها، وهذه مصلحة الدولة العليا». هذا كلام فيه نظر. لكن، وبلغة القانون، مَن قال للقاضي السابق إنّه في موقع سُلطة تُعنى بمصلحة الدولة العليا؟ لو استقال هو، ومعه سائر الأعضاء، احتجاجاً على الإهمال الذي عانته الهيئة، وعلى العجز أمام كرنفال فوضى المرشّحين وتجاوزاتهم الماليّة، فضلاً عن التجاوزات السياسيّة ــ السلطويّة، لما كانت ستتعطل الانتخابات. كانت الحكومة التي عيّنت الهيئة، ستُبادر ملزمة إلى تعيين هيئة جديدة (خلال مدّة أقصاها 15 يوماً بحسب المادّة 12 مِن قانون الانتخابات). صحيح أنّ القانون لا يتحدّث عن استقالة جماعيّة، لكن، نظريّاً، هذا ممكن، وبعدها يُمكن للحكومة أن تتدبّر أمرها. كنّا لنكون أمام تسجيل موقف تاريخي مِن قبل هيئة رفضت أن تكون «شاهدة زور» (وفق ما قالت اللقّيس في بيان استقالها).

عبد الملك: يُمكننا أن نتحرّك تجاه وسائل الإعلام، لكن لا يُمكننا أن نحقق مع المرشّحين


بعيد تصريحات عبد الملك، أمس، صرّحت اللقّيس مؤكّدة أنّها لن تعود عن استقالتها، وأنّ الأسباب التي دعتها إلى ذلك «ما زالت قائمة». تتمسّك بإيجابيّتها، فتتمنى للهيئة «أن تسعى إلى تجاوز العراقيل التي تعترض طريقها». في اتصال مع «الأخبار» كانت اللقّيس حريصة على عدم الغرق في القضايا الشخصيّة، لذا «علينا أن نسأل لمصلحة مَن أن تكون هيئة الإشراف على ما هي عليه مِن عجز؟ مَن الذي وضع القانون على ذلك النحو؟ غير صحيح ما قاله وزير الداخليّة وسائر المسؤولين في الحكومة لناحية انّهم على الحياد. مثلاً، مهمة تثقيف الناخبين على كيفية الاقتراع، بحسب القانون، هي مِن مهات الهيئة، فيما وزارة الداخليّة الآن هي مَن تقوم بذلك، وتقول إنّ لديها هبة ماليّة مسبقة لهذه الغاية». على هامش اللقاء الإعلامي، أمس، التقت «الأخبار» عبد الملك وسألته عن كلّ التفاصيل المثارة، فقال: «أنا أوافق على كثير مِن الأسباب التي أوردتها اللقّيس، ولكن القانون لا يتيح لنا أكثر مِمّا نفعله. لا يُمكننا ملاحقة المرشّحين السياسيين المخالفين، هذا هو القانون». لعلّ أهم ما قال رئيس هيئة الإشراف، في حديثه أمس، هو الآتي: «على الجميع أن يعلم أنّه ليس لهيئة الإشراف على الانتخابات شخصيّة معنويّة، لذا لا يُمكننا أن ندّعي قضائيّاً على أيّ مرشح مخالف، كذلك ليس لدينا أمرة على أيّ جهاز أمني. يُمكننا أن نتحرّك فقط تجاه وسائل الإعلام، لكن لا يُمكننا أن نقوم بأي تحقيق مع المرشّحين السياسيين، لأننا بلا شخصيّة معنويّة». ربّما تلخّص هذه الكلمات الأخيرة كلّ المشهد. بعد نهاية العمليّة الانتخابيّة، هل ستُنشَر كل الإجراءات التي قمتم بها؟ يجيب رئيس الهيئة: «هناك أشياء تُنشَر، ولكن هناك أشياء لا تُنشَر أيضاً، لأنّ هناك سريّة مصرفيّة. هناك مَن وصف قانون الانتخابات بالعجائبي والهجين، لكن عموماً علينا أن نطبّقه حرفيّاً. القانون قاسٍ لكن هذا هو القانون». حسناً، ماذا عن روح القانون؟ مونتسكيو ليس هنا ليُجيب. وبالتأكيد، ليس لنقيب الصحافة عوني الكعكي أن يُجيب، رغم أنّه كان حاضراً في اللقاء، وقد شوهد في النهاية مُستمتعاً باحتساء القهوة وأكل الحلوى.