«دعوة ضمنية للمجلس النيابي لحماية كاشفي الفساد». هذه هي الخلاصة الأبرز لقرار قضائي أبطل قراراً لقضاء العجلة في قضية مجلس الجنوب ضدّ جمعية «سكّر الدكانة» على خلفية اتهامات الثانية للأول بالفساد وهدر المال العام. القرار يكرّس دور الناس في مكافحة الفساد ويُصوّب على ضرورة إعادة النظر في دور هيئة القضايا التابعة لوزارة العدل.

نحو 30 مليون دولار أميركي، بلغت الكلفة الإضافية لمشروع عين الزرقا في البقاع الغربي، الذي نفّذه مجلس الجنوب قبل تسع سنوات، بحسب جمعية «سكّر الدكّانة».
مطلع أيار الماضي، نشرت الجمعية تقريراً أثارت فيه شُبهات فساد وهدر للمال العام ومخالفات جمّة في تنفيذ المشروع، مُستندةً بذلك إلى تقرير صادر عن مُفتّشين في هيئة التفتيش المركزي عام 2010 يُبيّن حجم المخالفات المرتكبة.
أثار نشر التقرير حينها استياء مسؤولي المجلس الذين لجأوا إلى هيئة القضايا في وزارة العدل (وهي المُكلّفة الدفاع عن حقوق الدولة)، فطلبت الأخيرة من قاضي الأمور المُستعجلة في بيروت إصدار عريضة ألزمت بموجبها الجمعية إزالة التقرير المنشور على موقعها الالكتروني، ومنع التداول في المعلومات المطلوب إزالتها أو نشرها بأي وسيلة، بحجّة «الإساءة إلى الدولة».
حدث ذلك قبل أن تصدر قاضية الأمور المُستعجلة في بيروت، القاضية هلا نجم، في 18 نيسان الجاري، قراراً أبطل مفاعيل قرار قاضي الأمور المُستعجلة وسمح للجمعية بإعادة نشر التقرير، ما عُدّ تكريساً لحق الناس في مكافحة الفساد، و«فضحاً» لتقاعس هيئة القضايا في الدفاع عن مصالح الدولة المؤتمنة عليها.

القرار فضح تقاعس هيئة القضايا في تأدية واجبها بالدفاع عن مصلحة الدولة


«المُفكّرة القانونية»، بالتعاون مع «سكّر الدكانة»، عقدت أمس مؤتمراً صحافياً، في مكتب «المُفكّرة»، تحت عنوان «قضية الدولة ضدّ سكر الدكانة نموذجاً: من يُدافع عن الدولة ضدّ الفساد؟» للوقوف على أهمية هذا الحكم القضائي ولمناقشة دور هيئة القضايا في المسائل المتعلقة بمكافحة الفساد. المؤتمر الذي تزامن مع إطلاق الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وخطتها التنفيذية في السرايا الحكومي، هدف الى تسليط الضوء على أهمية الأبعاد التي يرسيها قرار نجم لجهة ضرورة إعادة النظر في الدور الذي تلعبه هيئة القضايا في مسائل كشف الفساد، والتذكير بأهمية إقرار قانون لحماية كاشفي الفساد في لبنان.

أبعاد ثلاثة للحكم
بحسب المدير التنفيذي لـ «المُفكّرة»، وكيل «سكّر الدكانة»، المحامي نزار صاغية، ثمّة ثلاثة أبعاد يُرسيها القرار القضائي الصادر عن القاضية نجم. أولها، البعد المتعلّق بإقرار حق الجمعية في الكشف عن الفساد لتعاكس القاضية بذلك توّجه العديد من قضاة الأمور المستعجلة الى اتخاذ قرارات منع نشر معلومات يُستشّف منها شبهة سوء إدارة أو فساد بحجّة كرامة الأشخاص أو المؤسسات المعنية. وفق صاغية، «أثبت الحُكم أن حرية التعبير تتوسّع متى تعلّقت الأخبار بمسألة ترتبط بالشأن العام وتؤثّر بصورة مباشرة على حقوق المواطنين (...)، وبالتالي يقتضي تغليب هذه الحرية وحقّ الوصول الى المعلومات على المحافظة على هذه السمعة في هذه القضايا».
البعد الثاني يتعلق، وإن بشكل غير مباشر، بـ «تذكير ممثلي الدولة بأن دفاعهم لا يتناسب مع مصلحة الدولة ولا التزاماتها الدولية». ورأى صاغية أن القرار القضائي ردّ على ممثلي الدولة بالتذكير بالمادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد لناحية وجوب تشجيع الأفراد والجماعات على المُشاركة النشطة في مكافحة الفساد ومحاربته، لافتا الى أن «الحكم يفرض إعادة النظر في عمل هيئة القضايا التي تتولى الدفاع عن الدولة أمام المحاكم وتصويبه».
ويتمثّل البعد الثالث بتشجيع ضمني لكاشفي الفساد، «ففيما أصرّ ممثلو الدولة على وجوب فتح تحقيق لمعرفة من سرّب تقرير التفتيش المركزي، لم يتّخذ الحكم أي تدبير في هذا الخصوص، موجها بذلك دعوة ضمنية للمجلس النيابي لحماية كاشفي الفساد».

دعوة الى استكمال التحقيقات
ووضع رئيس الهيئة الإستشارية في «سكّر الدكانة» عبدو مدلج تقرير الجمعية المفصل حول شبهات الفساد والمخالفات التي تضمّنها التقرير في عهدة النياية العامة المالية، داعيا الجهات الرسمية المعنية مثل ديوان المحاسبة إلى التحرّك. علماً أن التحقيقات التي خلص اليها التفتيش المركزي لا تزال عالقة في أدراجه حتى اليوم.
ولفت مدلج إلى جملة من المخالفات التي أظهرتها التحقيقات، كتأخّر تنفيذ المشروع أربع سنوات وبكلفة إضافية وصلت الى 30 مليون دولار، «أي بفارق مرتين ونصف مرة عن المبلغ الأصلي المقرر للتنفيذ». ومن المخالفات أيضا: تقديم المتعهّد أسعارا لا تتطابق مع تلك المعتمدة من قبل وزارة الطاقة والمياه، تجاوز واضح في طول الحفريات دون مُبرّر ما زاد من كلفة المشروع، قبض ثمن العمل على ملف استكمالات غير موجودة أساسا على موقع المشروع، ومخالفة المبادئ العامة بتلزيم المتعهّد نفسه الأعمال الدراسية والتنفيذية معا (...).