لم يحافظ «الحوت الأزرق» الهادئ على صورته اللطيفة كما ألفناها. استحالت تلك الصورة مرادفاً للموت من خلال لعبة الكترونية تحمل اسم «الحوت الأزرق»، انتشرت أوائل العام 2016، وساقت 140 مراهقاً إلى الإنتحار، حتى اليوم.

حدث ذلك خلال ثلاث سنوات، كانت خلالها اللعبة غير متاحة على الإنترنت ولا حتى على play store أو app store. ورُجّح، حينها، أن صاحب اللعبة الروسي (وهو متهم بتشجيع مراهقين على الانتحار، وسجن ثلاث سنوات) كان يتبع تعليقات الأطفال والمراهقين بين عمر 11 و16 سنة على مواقع التواصل الإجتماعي، كـ«انستغرام» و«فيسبوك»، فيتواصل معهم عبر الرسائل الخاصة ويعرض عليهم اللعبة، ويعطيهم التعليمات. وغالباً ما يتقبّل الأطفال هذا النوع من المبادرات، لأن ما يعرضه الطرف الآخر هو لعبة، ليبدأ بعدها «المشوار». اليوم، باتت اللعبة متوفرة ويمكن تحميلها بسهولة. وصار الخطر أكبر.
بحسب الدكتورة هدى بيتية المتخصّصة في التعليم التكنولوجي، «لا يفكّر الطفل بعواقب الأمور، الأمر الذي يبعد عنه شعور الخوف من خوض تجربة كهذه، في ظلّ انصياعه لفكرة اللعبة وهي تحدي النفس وإثبات الذات، هذا في الدرجة الأولى». أما في الدرجة الثانية، فغالباً ما يلجأ الطفل/ المراهق إلى هذا النوع من الألعاب «في محاولة منه لملء فراغ أو نقص موجود لديه». هنا، لا مفر من التجريب والمخاطرة. وفي ظل هذا الواقع، تلقي بيتية اللوم على الأهل، معتبرة أنهم «لو كانوا يقومون بدورهم التربوي، لما صارت في متناول أولادهم لعبة كهذه».
تتألف اللعبة من خمسين مستوى، تبدأ بالطلب من اللاعب (أي الطفل) «جرح نفسه بآلة حادة، ثم مشاهدة الأفلام وسماع الموسيقى التي تخلق جواً من الاضطراب والتوتر، وتحفيز هورمونات تتسبب بالكآبة». بعدها، تتدرّج المهام لتصبح أكثر دموية وخطورة، عندما يطلب من اللاعب رسم حوت على ساعده بواسطة آلة حادة، وغرز جسده بالإبر والاستيقاظ في وقت متأخر من الليل والصعود إلى السطح. ولأن كل ذلك يجب أن يكون موثقاً، يرسل اللاعب صوراً لما أنجزه إلى صاحب اللعبة. وقد يُكلّف البعض بمهام سرية في اللعبة، كتصوير أفراد عائلته في مواقف خاصة، ويمكن أن يصل الأمر حد القتل.

على الأهل تأمين البدائل عن هذه الألعاب لا الاكتفاء بمنعها عن أطفالهم


في المرحلة الأخيرة، يصبح الحديث مباشراً بين صاحب اللعبة والطفل، ثم يحين موعد اللقاء في المرحلة الخمسين... على مرتفع عندما يطلب صاحب اللعبة من اللاعب إنهاء حياته عبر طريقة يحددها له. في هذه المرحلة، يكون اللاعب قد وصل إلى مرحلة الاكتئاب والضعف الشديد بسبب الأفلام والموسيقى التي اعتادها، والتهديدات المستمرة بقتله في حال توقف عن اللعب أو خالف التعليمات، فيجد نفسه مجبراً على انهاء حياته إكمالاً للتحدي الذي بدأه.
تجدر الإشارة إلى أن اللعبة، فور الدخول إليها، تضع عبارات عدة أمام اللاعب الصغير: «أنت الآن داخل اللعبة، نحن الآن نعرف مكانك. هل تحاول التراجع؟». عندها، يشعر بالخطر. ويجد نفسه عالقاً في مغامرة لا يمكنه التراجع عنها.
بعض المدارس في لبنان بعثت برسائل للأهل للتحذير من خطر اللعبة التي لاقت رواجاً بين الأطفال، مع سهولة استخدام الإنترنت وإتاحتها من خلال تطبيقات إلكترونية، وبسبب انتشار «هاشتاغات» خاصة بها تتضمن صوراً ومقاطع منها. ولكن، لأن «الإنسان بطبيعته ميّال إلى العنف»، بحسب الدكتور فضل شحيمي، المتخصص في طب النفس العيادي، «يجب على الأهل تأمين البدائل عن هذه الألعاب، لا الاكتفاء بمنعها عن أطفالهم»، وإلا وجد هؤلاء أنفسهم أمام موت لا تفصلهم عنه سوى «كبسة صغيرة».