البطاريات الموجودة في الأسواق، والتي نستخدمها في كل الأجهزة التي بين أيدينا، مكوّنة في معظمها من الأحماض والبلاستيك وبعض المعادن الثقيلة والمنتجات الكيميائية، مما يجعلها واحداً من أبرز مصادر تلوث البيئة، خصوصاً في التربة والمياه. ومعلوم انه في نهاية عمر هذه البطاريات، تقتصر عملية تدويرها (بشكل جزئي في أغلب الأحيان) على تجميع الفلزات السامّة والنادرة. إذ أن كلفة التدوير الكامل للبطارية أكبر كلفة من تصنيعها، ناهيك عن المخاطر البيئية التي ترافق هذه العملية.

مع تعقيدات البطاريات التقليدية وتسببها بمشاكل كبيرة، بدأ مركز الطاقة والذرة التابع لجامعة غرونوبل الفرنسية تجارب لتصنيع بطاريات «بيئية»، باستبدال المواد غير العضوية داخل البطاريات بمواد عضوية (من النباتات)، ما يجعل البطارية أكثر قدرة على التخزين، وحياتها أطول بثلاث مرات، فيما صناعتها وتدويرها أدنى كلفة، وأقل خطراً على البيئة في حال جرت بطرق بدائية.
شادي مسلم المتعاقد مع كلية العلوم في الجامعة اللبنانية ــــ الفرع الثالث (طرابلس) والذي عمل باحثاً في المركز على البطاريات العضوية البيئية، أكّد أن «النتائج الأولية للتجارب كانت مرضية جداً. قمنا باختبارات أثبتت جودة البطاريات المصنّعة من النباتات، وتدنّي كلفة صناعتها وتدويرها، وقدرتها العالية على التخزين، وصداقتها للبيئة».

تجارب فرنسية لتصنيع بطاريات «بيئية» من النباتات وأوراق الأشجار


بحسب مسلم، «تجري الأبحاث في مختبر النانوماتريو للطاقة والصحة وفي مختبر الفيزياء في المركز، ويشرف عليها فريق يرأسه البروفسوران ليونيل دوبوا وتيبو غوتيل».
لكن السؤال هو: هل تُصنّع هذه البطاريات من نباتات للغذاء ام من نباتات برية تعتبر جزءاً لا يتجزأ من دورة حياة الغابات وتسهم في شكل أساسي في تأمين السماد الطبيعي للارض عندما تتخمّر تحت الاشجار؟ وهل سنكون أمام مشكلة شبيهة بالاشكالية التي واجهت الوقود البيولوجي المنتج من مواد غذائية كالذرة، ففيما نعالج مشكلة تتعلق بنوعية البطارية نخلق مشكلة جديدة تهدد الامن الغذائي؟
يشدّد مسلم على أن «كل بحث لا يضع البيئة كخط أحمر لناحية تجنب أي خطر عليها لا يُعوّل عليه». ويلفت الى أن المواد الأولية المستخدمة في التصنيع يمكن الحصول عليها من أوراق الأشجار المتساقطة، «وبالفعل جرت عملية تصنيع لمواد اوليةً مستخرجة من بقايا النبات. وأُخذ في الاعتبار الابتعاد عن كل ما هو غذائي. والهدف الانطلاق من مواد أولية نظيفة والعمل على تعديلها في المختبرات بطرق نظيفة تتفادى الأوساخ الكيميائية الناتجة عن عملية التصنيع».
ورغم التطور السريع في صناعة البطاريات التقليدية لجهة خفض كلفتها وإطالة أمد حياتها وتصغير حجمها مع توسيع سعتها، يؤكد مسلم أن دورة حياة البطارية العضوية افضل، إذ «يمكن شحنها بالطاقة وإعادة استعمالها أكثر من الف مرة دون أي تغير في فعاليتها». أما لجهة السلامة، فالبطارية البيئية كما يشدد مسلم «أكثر أماناً ولا تحتوي على أي منتج غير عضوي خطر، وإمكانية حصول حريق بسببها ضئيلة جداً». في المقابل، لا تزيد فترة حياة البطارية التقليدية على 3 سنوات من تاريخ التصنيع والانتاج سواءً استخدمت ام لم تستخدم (طوّر بعضها الى خمس سنوات مؤخرا). وهي حساسة جداً على ارتفاع درجات الحرارة، ولا يمكن الاستفادة منها اذا تعرضت للتلف، واعادة تدويرها مكلفة وملوثة للبيئة. وتعتبر بطاريات الليثيوم ايون الاكثر استخداما في العالم. وهي موجودة في معظم الاجهزة التي نستخدمها. وأي خلل في الليثيوم ايون قد يتسبب في تلف الأجهزة أو تسرّب مواد ملوثة قابلة للحريق أو الانفجار.
أبحاث البطاريات العضوية لا تزال في بداياتها، إلا أن نجاحها سيسبب، بلا شك، ثورة بسبب منافعها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية وسيحفّز نشر السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة ويفتح أسواقًا جديدة مثل التخزين المنزلي.