لم تنتهِ فصول قضية إفلاس «سعودي أوجيه» بعد. لا يزال موظفو الشركة التي كانت أحد أعمدة عالم المقاولات في المملكة العربية السعودية بلا تعويضات. حتّى الانتخابات النيابية لم تشفع للمصروفين من الشركة. أصوات الموظفين والعمال لم تدخل في بورصة «التفضيلي» عند تيار المُستقبل. كذلك إن صرف الأموال الذي طاول، استنسابياً، بعض مؤسسات رئيس الحكومة سعد الحريري، تحت ضغط الشارع والإعلام، يضلّ طريقه باتجاه المصروفين من الشركة.

آلاف العاملين المصروفين ممن عادوا إلى لبنان يطالبون بدفع تعويضاتهم ومستحقاتهم المالية، ولا من مُجيب. آخر اعتصام نفّذته لجنة تحصيل الحقوق، كان في صيدا، يوم أمس. تزامن ذلك، مع معلومات أوردتها وكالة «رويتز» نقلاً عن مصدرين مُطلعين قالا إن «السعودية تُشكل لجنة للتعامل مع إعادة هيكلة ديون سعودي أوجيه». فهل ما نقله المصدران المذكوران بمثابة رسالة سعودية للحريري في زمن الانتخابات النيابية؟ وهل ينضم هذا الوعد إلى سلسلة الوعود السعودية للعمال بحلّ قضيتهم، فيذهب أدراج الرياح؟ ما حقيقة تعدّي مناصرين للأمين العام للتيار أحمد الحريري، على المعتصمين في صيدا؟
يوم أمس، اعتصمت اللجنة العمالية لموظفي «سعودي أوجيه»، في ساحة النجمة في صيدا، للمطالبة بدفع تعويضاتهم ومستحقاتهم. المشهد استفز تيار المستقبل الساعي إلى تلميع صورته في صيدا مع اقتراب موعد الانتخابات. فجأة، ينشأ إشكال في ساحة الاعتصام سرعان ما عملت اللجنة على حلّه. حصل ذلك على خلفية مطالبة عضو اللجنة خليل الحداد بنزع صفة النيابة عن النائبة بهية الحريري، احتجاجاً على عدم تدخلها لحل أزمة المصروفين. هنا، تدخّل أحد الشبان (يدعى ر. ط.)، رافضاً التعرض لآل الحريري.
وبحسب أحد المعتصمين، جاء قرار الاعتصام بتوقيته تبعاً للآتي:
أولاً، لكون النائبة بهية الحريري سبق أن تعهّدت خلال مقابلتها وفد اللجنة سابقاً بتأمين لقاء للوفد مع رئيس الحكومة ثمّ تراجعت عن وعدها.
ثانياً، تناهى إلى مسامع اللجنة أن تيار المستقبل يعمل على إحضار عائلات من الخارج للتصويت في الانتخابات المقبلة في صيدا وجزين، مقابل حجوزات طيران وفنادق. زد على ذلك، توظيف أعداد من عناصر التيار في مؤسسات مختلفة بينها «أوجيرو» وإعطاءهم بدل مدارس وطبابة، «فيما نحن لا أحد يساندنا ويدعمنا لأننا لسنا محسوبين على أي جهة»، كما يقول أحد المعتصمين.
ثالثاً، قبل فترة وجيزة، تقدمت اللجنة بشكوى عبرَ منظمات وهيئات دولية، وفوّضت الاتحاد الوطني لنقابات العمال الذي قدّم شكوى إلى وزارة العمل، لكن الضغط السياسي منع تحريك الشكوى، خصوصاً أن تيار المستقبل يمون على وزارة العمل.
غيرَ أن ما نقلته وكالة «رويترز» أمس، أعاد فتح جروح المصروفين. فاللجنة التي حاولت التواصل أكثر من مرّة مع الجانب السعودي، قوبلت أيضاً بالتجاهل. إذ لم يلقَ الخطاب الذي صاغته وسلمته باليد للسفير السعودي وليد اليعقوب قبل مغادرته أي صدى. فيما باءت محاولات أعضاء اللجنة للقاء السفير وليد البخاري بالفشل. الأخير سبق أن أعطاهم موعداً وتخلّف عنه، مكتفياً بإرسال مندوب «لم يقدّم ولم يؤخّر».
الخبر الذي نقلته «رويترز» زعم أن «السلطات السعودية ترغب في تسوية التداعيات المالية لانهيار الشركة بعد أن أصيبت بالشلل جراء تخفيضات الإنفاق الحكومي وسوء الإدارة والفساد، الأمر الذي أدى إلى عدم سداد مستحقات آلاف العمال وبنوك». وأضاف الخبر أن بنوك السعودية دائنة للشركة بنحو 13 مليار ريال (3.5 مليارات دولار).

اللجنة التي حاولت التواصل أكثر من مرّة مع الجانب السعودي، قوبلت أيضاً بالتجاهل


وقال المصدر الأول إن البنك المركزي السعودي «أخطر البنوك في الأسابيع الأخيرة بأن لجنة ستتشكل للتعامل مع المطالبات المرتبطة بسعودي أوجيه». وفيما حصلت مجموعة «بن لادن» على مدفوعات حكومية في الآونة الأخيرة لمساعدتها على تجاوز أزمتها، لم تتسلم «سعودي أوجيه» بعد مستحقات كبيرة لها لدى السلطات السعودية تقدَّر بمليارات الدولارات. فيما قال المصدر الثاني إن اللجنة، التي ستتكوّن من ممثلين عن وزارتي العمل والعدل، «ستتعامل مع الأموال المستحقة للموظفين وخدمة الدين والمدفوعات المستحقة للحكومة كأولوية أولى». وأضاف المصدر أنها ستتعامل أيضاً مع الديون المستحقة على الحكومة، فيما سيكون التعامل مع الديون المستحقة على سعودي أوجيه للمصارف في مرحلة لاحقة.
غير أن المصدرين لم يأتيا على ذكر الحصة التي تنوي الدولة حجزها في الشركات المذكورة. علماً أن هذا الأمر لا يكون منطقياً، حيث إن الشركة حُلّت رسمياً وقانونياً في نهاية شهر تموز 2017، وبالتالي لم يعد لأيٍّ من المالكين أسهم وحصص فيها. وبحسب مصادر في تيار المستقبل، فإن ما يُحكى عن حجز حصة «ليس دقيقاً، فقد عمدت الدولة السعودية إلى وضع اليد على منشآت الشركة وأراضيها وممتلكاتها المنقولة وغير المنقولة».
وفي ما يتعلق بصرف تعويضات العاملين، قالت المصادر إن الرئيس سعد الحريري أثار مع الأمير محمد بن سلمان خلال الزيارات الأخيرة للرياض الديون المستحقة للشركة على الحكومة السعودية مقابل مشاريع نفذتها سعودي أوجيه، وقد توصّل الجانبان بحسب المصادر نفسها إلى تسوية تعهّدت بموجبها السعودية بدفع كل المستحقات، خصوصاً بعد تنازل الحريري عن شركته العملاقة. إلا أن عدم صرف الأموال حتى الآن «يتعلّق بالماكينة السعودية وبيروقراطيتها». وربطت المصادر تسريب هذه الأخبار في فترة الانتخابات «بأنها تهدف إلى الإيحاء بأن السعودية تقف إلى جانب رئيس تيار المستقبل وتدعمه».