منذ 2006، ينتظر مربّو أسماك الترويت في الهرمل، تعويضاتهم عن خسائر السيل الذي ضرب نهر العاصي في ذلك العام. الوعود والإقتراحات بإقامة سدود وبرك مائية لتخفيف اندفاع السيول وتقليل أضرارها تسكن في أدراج الوزارات والادارات. وحدهم مربو الاسماك وأصحاب المشاريع السياحية على العاصي يتحملون الخسائر تلو الخسائر، على وقع مشاريع يعلن عنها اعلاميا فقط.

«شريك المي دايماً خايف»، يقول علي مرضى مختصراً هواجس مربّي أسماك الترويت على نهر العاصي في مدينة الهرمل وبلدة الشواغير المجاورة لها. مع كل شتوة، ربيعية أو خريفية، يترقّب هؤلاء السيل القادم من الجرود مطيحاً بأرزاقهم وآمالهم. لا حول ولا قوة لهم أمام سطوة الطبيعة وأمام الوعود التي لا تتحقق بإقامة سدود صغيرة أو برك مائية تخفّف من قوة السيل الذي يجتاح مزارعهم، كل فترة، ويطيح بها وبالمنشآت السياحية والمطاعم على ضفتي النهر، وبمصدر رزق مئات العائلات في المنطقة.
ويفتقد قطاع تربية أسماك الترويت (نحو 200 مسمكة كبيرة ومتوسطة وصغيرة) والقطاع السياحي (مطاعم وفنادق أكثرها غير مرخّص) على نهر العاصي إلى التنظيم. وتقوم هذه المشاريع على مبادرات فردية «لأن الدولة لم تولِ هذه القطاع الاهتمام اللازم لجهة التنظيم والرعاية والمساعدة في تصريف الانتاج والحماية من المخاطر» بحسب مرضى.
ومنذ سنوات طويلة، يطالب مربو الترويت في الهرمل عبثاً بإنشاء سدود صغيرة أو برك مائية لدرء مخاطر السيول الربيعية والخريفية التي تتوالى من جرود راس بعلبك والفاكهة والقاع في السلسلة الشرقية ومن وادي فعرا في السلسلة الغربية، وتتوالى معها الخسائر، فيما تغيب تعويضات الهيئة العليا للإغاثة.

الوعود بإقامة سدود صغيرة تخفّف قوة السيل الذي يجتاح مرافق العاصي لم تتحقق (الأخبار)

«حكايتنا مع التعويضات طويلة»، يقول رئيس نقابة مربي الأسماك في الهرمل محمد عمرو. فبعد عدوان تموز 2006، أتى سيل قوي على معظم المسامك وألحق خسائر فادحة بالقطاع، «حينها مسحت الدولة الأضرار ودفعت نصف التعويضات ولا نزال ننتظر النصف الآخر حتى اليوم». في 2014 وقع سيل تسبّب بأضرار مسحها الجيش وقدّر التعويضات التي «لا تزال نائمة في أدراج الهيئة العليا للإغاثة». العام الماضي وقع سيل آخر تسبّب بخسائر إضافية. يقول عمرو: «اعتصمنا ورفعنا الصوت فوُعدنا بنقل صرختنا الى أول جلسة للحكومة، ولا نزال حتى اليوم في انتظار هذه الجلسة، مع العلم أن الدولة دفعت تعويضات عن خسائر التفاح والكرز وغيرهما في بقية المناطق».
مصادر في الهيئة العليا للاغاثة تعزو «تأخر» التعويضات الى «مبالغة» بعض مربي الاسماك في تقدير خسائرهم، وتلفت الى مسؤولية يتحمّلونها عن الأضرار بسبب اعتدائهم على حرم ضفتي النهر. وهذا ما لم ينفه عمرو، موضحاً أنه إزاء التعويضات غير المنصفة سابقاً يسعى البعض الى رفع حجم خسائره في محاولة لتحصيل ثلثها على الأقل. ويوضح: «دفعت الهيئة سابقاً تعويضات طنين فقط عن كل عشرة أطنان من الأسماك. لذلك من يخسر عشرة أطنان يقدّر خسارته بعشرين طناً للحصول على تعويض لا يوازي نصف خسارته». ولفت الى أن ضابطاً من الجيش اللبناني مسح أضرار السيل الذي ضرب النهر في شباط الماضي وجال بنفسه على المسامك المتضررة ولم يُسأل مربّو الأسماك تقدير خسائرهم، «ورغم ذلك لم نحصل على التعويضات». أما في ما يتعلق بالإعتداءات على مجرى النهر، فيسأل عمرو: «هل حاولت الدولة تنظيم الأمور واعترضها أحد؟».
منذ سنوات طويلة، يطالب مربو الترويت في الهرمل عبثاً بإنشاء سدود صغيرة لدرء مخاطر السيول


رئيس اتحاد بلديات الهرمل نصري الهق أكد لـ «الأخبار» أنه بعد سيل 2014 تقرر دفع تعويضات بقيمة 200 ألف دولار للمتضررين. وتم الاتفاق مع الهيئة على أن يُخصص المبلغ لإقامة مصدّات مائية في الأودية التي يمر بها السيل لتخفيف اندفاعه، وبالتالي أضراره. احتفظت الهيئة بالمبلغ الى حين البت بذلك في مجلس الوزراء، وحتى اليوم لم يبت فيه بعد». فيما أشار رئيس بلدية الهرمل صبحي صقر الى إحالة دراسات منجزة عن مشاريع سدود ومصدات مائية الى وزارة الطاقة والمياه، «وآخرها منذ ثلاثة اشهر. ولكن لا جواب من الوزارة».
وقد أجرت وحدة إدارة الكوارث التابعة للهيئة، العام الماضي، مناورة حية على نهر العاصي حضرها رئيس الحكومة سعد الحريري وعدد من الوزراء عبر الشاشة، في إطار مشروع ممول من البرنامج الانمائي التابع للأمم المتحدة (UNDP) لرفع الجهوزية في مواجهة المخاطر من زلازل وسيول، وترافق مع وعود بإنشاء برك لدرء مخاطر السيول. «ضحكوا علينا. باعونا حكي، وراحوا وما عادوا رجعوا»، يقول الهق مشيراً الى أن المشروع حُوّل من الهرمل الى اتحاد بلديات بعلبك من دون معرفة الأسباب.
مصادر في ادارة وحدة الكوارث أوضحت لـ«الأخبار» أن 120 ألف دولار رُصدت لانشاء غرفة عمليات في الهرمل، لكن اقتراحات من قبل المشاركين عن الهرمل دفعت الجهة الممولة إلى تغيير وجهة التمويل باتجاه مدينة بعلبك و8 بلدات مجاورة لها، وأضيفت اليها مؤخرا بلدتا الشواغير وحوش الرافقة.