لم تكن نتائج مؤتمر بروكسيل «لدعم مستقبل سوريا» (ملف النازحين) مشجّعة لناحية إيجاد حلول لقضية اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري، خصوصاً لبنان والأردن، وبالتالي، لا قرار سياسياً دولياً بدعم عودة القادرين منهم على العودة إلى ديارهم.

يُراد للنازحين السوريين أن يبقوا في لبنان والأردن. أولئك المتعبون، الذين هجّرتهم سيطرة الجماعات المسلّحة على قراهم وشجّعهم، يراد لهم أن يُذَلوا كرمى كرتونة إعاشة وبطاقة «شؤون» (مفوضية شؤون اللاجئين UNHCR). وهؤلاء، بكلّ عذاباتهم وقهرهم، مجرد ورقة سياسية وعسكرية وديموغرافية تستخدم ضد الدولة السورية، في الأمن والعسكر والإعلام، واستثمارها لمّا ينتهِ بعد، ولربّما بدأت الآن المرحلة الثانية من الاستغلال.
واقع النزوح السوري في الأردن، ليس بالشأن القليل، وهو يرتبط مستقبلاً بشكل الأردن وتركيبته الديموغرافية وعلاقته بالتسوية الفلسطينية ودور الأردن برمّته في الشرق، ومدى التأثير الغربي والخليجي في هذا الكيان والأدوار المطلوبة منه في المقبل من السنين.
أمّا في لبنان، فواقع وجود النازحين السوريين فيه، على تعقيداته، ليس أحجية مستعصية على الحل، لكن يمكن العمل الجاد والصادق أن يفتح آفاقاً لمعالجة جزء كبير من الأزمة، كالمبادرة التي قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم أخيراً في بلدة شبعا الجنوبية.
قبل عشرة أيام، نظّم الأمن العام اللبناني بالتنسيق مع الحكومة السورية، عودة 550 مواطناً سورياً من شبعا إلى قريتي بيت جنّ ومزرعة بيت جنّ في المقلب السوري من جبل الشيخ.
شبعا وبيت جنّ، توأمان متلاصقان على ضفتي الجبل، تجمعهما وحدة الحياة والقربى، وفصول الكرز والجوز وقطعان الماعز. وأهالي بيت جنّ في شبعا، تعبوا من النظر إلى حقولهم وكرومهم من خلف الجبل، واشتاقوا إلى بيوتهم، ولو أن أهالي شبعا إخوتهم في الانتماء والجغرافيا، لكنّ البيوت اكتظت، وصدر الأخ يضيق بأخيه كلّما طال الانتظار.
في بيت جنّ ومزرعة بيت جنّ، أنجز الجيش السوري استعادة السيطرة على القرى التي احتلتها الجماعات المسلّحة في حرمون، وحقّقت المصالحات استقراراً كان مفقوداً من 2011، فشدّ النازحون في شبعا الرّحال إلى ديارهم.
وبحسب معلومات «الأخبار»، بدأت المبادرة الجديّة فور إنجاز المصالحة في بيت جنّ، وخروج الجماعات المسلّحة إلى إدلب. جرى التواصل المباشر بين وجهاء من النازحين، أبرزهم رئيس بلدية مزرعة بيت جنّ هيثم حمود، مع ممثّلين عن الحكومة السورية، أبرزهم الإعلامية كنانة حويجة، برعاية مباشرة من الأمن العام اللبناني والسلطات المعنيّة في سوريا، ومساهمة ميدانية من استخبارات الجيش اللبناني.
كان من المفترض أن يعود عددٌ أكبر من النازحين، قبل شهر نيسان الحالي، إلّا أن التزام التلاميذ السوريين للدراسة في مدارس بلدة شبعا أخّر العودة التي من المنتظر أن تستكمل في غضون أسابيع قليلة وتشمل ما لا يقلّ عن ألف نازح سوري في منطقة العرقوب.
المرتجى «دولياً» من وجود النازحين السوريين في لبنان، يمكن رصده من خلال البيان «الشائك» الذي صدر عن مفوضيّة شؤون اللاجئين، والبيان/ التقرير الذي صدر تالياً عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، والذي جاء مريباً في التوقيت واللهجة، عشيّة تحقيق إنجاز عودة مئات السوريين إلى ديارهم.

توسيع هامش اللواء عباس إبراهيم عبر تحويل إنجاز شبعا إلى سياسة شاملة


خلال مرحلة التفاوض، عاينت فرق مفوضيّة اللاجئين الواقع على الأرض في شبعا، وأجرت مقابلات مع النازحين الراغبين بالعودة، وكلّ هؤلاء أكدّوا أن عودتهم طوعيّة، وذلك بخلاف ما حاولت بعض وسائل الإعلام الإيحاء، عن أن الأجهزة الأمنية اللبنانية أرغمت النازحين على العودة بالتنسيق مع الاجهزة الأمنية السورية. غير أن الضغوط التي مورست على المفوضيّة، منعت المنظمة الدولية من تأكيد هذا الأمر في بيانها الأخير، فأصدرت بياناً يمكن وضعه في سياق الموقف السلبي لناحية التبرؤ من الإنجاز اللبناني ـــ السوري.
أمّا بيان «هيومن رايتس ووتش»، المستند إلى تقرير طويل، ولو أن بعضاً مما ورد فيه يستند إلى ممارسات حقيقية تقوم بها بعض البلديات في مناطق لبنانية معيّنة، إلّا أنه لا يصح تعميمه، وكان يمكن أن يعدّ «بريئاً» لو لم يصدر عشيّة تحقيق لبنان إنجاز إعادة النازحين إلى قراهم بالتفاوض المباشر مع سوريا.
وبرغم الوقائع الدامغة في سوريا، وعلى طول حدودها مع لبنان، صار لزاماً، أولاً، على رئيس الجمهورية أن يدعو إلى طاولة حوار وطني تناقش هذا الملف من أجل تبني إعلان صريح عن الرغبة بعودة النازحين السوريين إلى سوريا، والإقلاع عن استخدام السوريين كوسيلة للتسوّل دولياً، وهذا الأمر يتطلّب تشريع التنسيق الجديّ بين السلطات السورية والسلطات اللبنانية، وتأمين الغطاء الكافي للواء إبراهيم، حتى يتمكّن من تحويل إنجاز شبعا إلى سياسة شاملة لحلّ أزمة النزوح. ما الذي يمنع مثلاً، أن يقام في المناطق مكاتب خاصّة تستقبل النازحين السوريين الراغبين في العودة، وتسجّل أسماءهم، ثمّ يتولّى الأمن العام اللبناني التنسيق مع السلطات السورية لإعادتهم؟
ثانياً، وقف الحملات الإعلامية الهادفة إلى إخافة السوريين من الدولة السورية والتشويش على المصالحات المحلية التي تحصل على الأرض.
ثالثاً، عبّرت الحكومة السورية مراراً وتكراراً، عن استعدادها لاستقبال النازحين السوريين في لبنان من دون قيد أو شرط، وأكّدت روسيا من جهتها استعدادها للتعاون، مع أن المسؤولين الروس لا يجدون أعذار اللبنانيين مقنعة لعدم إعادة التواصل الرسمي مع سوريا، لكنّهم مع ذلك، جاهزون للمساعدة. هل من مجيب، وهل تكون لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون كلمة بهذا الصدد غداة انتهاء الانتخابات النيابية؟