بأسلوب لا يخلو من خفة الدم، يعلّق أحد أبناء دير الأحمر على شعارات القوات اللبنانية الانتخابية في بعلبك الهرمل «كسر الصمت» و«صار بدّا»، ليقول: «كأن المقعد الماروني في بعلبك ـــ الهرمل رافعة للوطن. بيحكي (جعجع) وبتفكريه بابا روما أو مار يوسف. طولوا بالكم يا جماعة. ما بدها هالقد، نحن عايشين سوا إسلام ومسيحية، جوعنا واحد وحرماننا واحد، لوين حاملين «بنديرة» الإنماء وجايين؟ ما معك شي وجايي تقاتلني باللي معي».

يدرك، كما غيره، أن المنافسة تضفي نكهة مختلفة على المعركة الانتخابية، وأن شرف المحاولة مشروع للقوات، ولكن مهلاً «كي لا يكون خوض المعركة على حساب تعايشنا كمسيحيين ومسلمين».
هذا الصوت يسمعه من يقصد عدداً من القوى المسيحية في البقاع الشمالي، التي تعكس أجواءً مختلفة عن تلك التي تعكسها الأحزاب في خطاباتها الإعلامية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن الناس هناك تتفوق على أحزابها في حرصها على عيشها المشترك.
يتنافس على المقعد الماروني في دائرة البقاع الثالثة خمسة مرشحين، هم: طوني حبشي (الكرامة والإنماء)، إميل رحمة (الأمل والوفاء)، سندريلا مرهج (المستقلة)، ليلى التنوري (الأرز)، وشوقي فخري (الإنماء والتغيير).
وتنحصر المنافسة الأشد بين المرشحين حبشي ورحمة، لتضفي أبعاداً على المعركة السياسة بين 8 و14 آذار، وتحديداً بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل من جهة، وحزب الله من جهة أخرى.

الخطاب الطائفي
تستنفر القوات اللبنانية طاقاتها في بعلبك الهرمل. ويُشهد لماكينتها الانتخابية تنظيمها ودقة عملها. جندت مئات المندوبين العاملين على الأرض. تأجيج حماسة المناصرين وشدّ عصبهم الانتخابي مطلوب، مرة بالمنطق ومرات بلغة طائفية. لا ضير. المهم الفوز بالمقعد الماروني. الحلم القواتي الذي كان عصياً في الدورات الماضية يرونه اليوم ممكناً بفضل قانون النسبية والصوت التفضيلي، ولا سيما في منطقة تعدّها القوات اللبنانية معقلاً لمناصريها.
في مواجهتها لمنافسها المرشح إميل رحمة، لا تفوّت القوات كبيرة أو صغيرة إلا وتستخدمها لتحرض عليه. تنطلق من تحالفه مع حزب الله لتشكك في انتمائه المسيحي. فتشنّ الحملات تعليقاً على كلّ صورة له، أو موقف: مرة لحمله علم حزب الله، ومرة لوضعه قبعة حزبية، أو معايرته لموازنته بين الجلجلة وكربلاء في معرض رفضه الظلم. هكذا يصبح الرجل «ذمياً»، ويتحول اسمه إلى «إميلو كربلاء»، وغيرها من التوصيفات. لا يهمّ ما تتركه من أثر على العلاقة بين الأهالي في المنطقة، فالمطلوب قواتياً شدّ العصب المسيحي ليتحول رحمة في قاموسهم إلى «زحيف عند الشيعة»، وهو ما عدّه رحمة «عدم احترام لوجود حلفاء شيعة غامروا بالتحالف مع القوات، إلا إذا كانوا يرونهم مجرد سلالم لبلوغ غايتهم».
فرصة للقوات؟

لكن هل يحتاج الوصول إلى المقعد إلى كلّ هذا الشحن الطائفي؟
هي المرة الأولى التي يشهد فيها المقعد الماروني تنافس هذا العدد من المرشحين عليه. درجت العادة قبل اتفاق الطائف على أن يكون التحالف مع عشائر الشيعة في بعلبك، بوصف الناخب الشيعي هو الأكثر تأثيراً. لعبت الزعامات العشائرية من العائلات المسيحية والشيعية دوراً مؤثراً في اختيار المرشحين لهذا المقعد الذي تعاقب عليه في الستينيات كل من مرشد حبشي وبشير كيروزعلى لائحة صبري حمادة، ثم مخايل الهراوي ومن بعده طارق حبشي من عام 1972 حتى عام 1992. وبعد الطائف حلّت الأحزاب بديلاً من العشائر، ليشغل المقعد ربيعة كيروز على لائحة الوفاء للمقاومة بنسبة تأييد عالية من ناخبي القرى والبلدات المسيحية، تلاه لدورتين النائب السابق نادر سكر. ومن بعده وحتى اليوم، إميل رحمة، إثر توافق بين حزب الله والتيار الوطني الحر.
افتتحت القوات بورصة المرشحين بإعلان اسم مرشحها باكراً، مصوبة جلّ تركيزها على الفوز بحيثية تمثيلية في عرين المقاومة وخزانها الشعبي. وفيما أبلغت مناصريها بأن يكون صوتهم التفضيلي لحبشي، يبدي رحمة ارتياحه لسير التحضيرات الجارية، ولا سيما بعدما وزّع حزب الله صوته التفضيلي بين المرشحين العشرة على اللائحة «سواسية»، وقسّم الدائرة إلى عشرة مربعات انتخابية، واضعاً إميل رحمة في مربع أصوات شيعية مارونية لحمايته.

همّ حزب الله ضمان 8 مقاعد من أصل 10، وتحويل المعركة إلى المقعد التاسع


يأسف أحد وجهاء دير الأحمر لاعتبار القوات أن بإمكان مسيحيي دير الأحمر إنجاح المرشح الماروني من دون أصوات الشيعة. يستشهد بواقعة الانتخابات البلدية التي لم تشهد نسب اقتراع كبيرة، فمن أصل 16 ألف ناخب كاثوليكي و23 ألف ماروني، لم يقترع منهم إلا نحو 9000 آلاف ناخب، ولم تتجاوز نسب الاقتراع 30 بالمئة. ما يعني أن عدد المسجلين على لوائح الشطب لا يكون هو ذاته عدد المقترعين، ولو أن القوات كما حزب الله يلتقيان على السعي إلى تأمين أوسع مشاركة في الانتخابات. همّ حزب الله ضمان 8 مقاعد من أصل عشرة، وتحويل المعركة إلى المقعد التاسع، بدل أن تكون على الثامن، فيما همّ لائحة المستقبل ـــ القوات تأمين الفوز بمقعدين، وخوض معركة على الثالث، مع مفارقة أن كل فريق يسعى إلى إنجاح مرشحيه بالصوت التفضيلي، بمن فيهم رئيس لائحة القوات ــ المستقبل يحيى شمص.
لدير الأحمر، كما لبقية القرى والبلدات المسيحية، خصوصية قواتية لا تلغي اعتبارات المصاهرة والقربى بين العائلات. فعلى سبيل المثال، تشهد المنطقة معركة بين عائلتي رحمة وحبشي، وداخل عائلة حبشي ذاتها يؤيد فريق المرشح رحمة. فضلاً عن توزّع الاصوات المسيحية في البقاع الشمالي بين القوات (60 بالمئة) والأحزاب الأخرى (40 بالمئة). وعدا هذا كله، هناك «العصبية الكاثوليكية» التي لا تصبّ دوماً للمرشح الماروني والعكس صحيح، بحيث لا يرى الناخب الماروني نفسه معنياً بالمرشح الكاثوليكي إلا في ما ندر. يسأل احد ابناء دورس ماذا لو تحالفت القوات مع حزب الله؟ هل كان خطابها سيكون حادا مثلما هو عليه اليوم؟