نصت المادة 49 من القانون رقم 79 تاريخ 18 نيسان 2018 (الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2018) على ما يأتي:

«خلافاً لأي نص آخر، مع مراعاة الأحكام القانونية المتعلقة بتملك الأجانب، يمنح كل عربي أو أجنبي يشتري وحدة سكنية في لبنان، إقامة طيلة مدة ملكيته، له ولزوجته وأولاده القاصرين في لبنان، على أن لا تقلّ قيمة تلك الوحدة السكنية عن:
750,000,000 ل.ل. سبعمئة وخمسون مليون ليرة لبنانية في مدينة بيروت.
500,000,000 ل.ل. خمسمئة مليون ليرة لبنانية في سائر المناطق.
تحدَّد دقائق تطبيق هذا النص بقرار يصدر عن وزير الداخلية والبلديات بناءً لاقتراح المديرية العامة للأمن العام».
إنَّ هذه المادة تثير إشكاليات كثيرة، وعلى غير صعيد، يجب لتبيانها إيضاح النقاط الآتية:
1 ـــ ماهية هذه الإقامة، وهل هي مؤقتة أم دائمة؟
لا شكَّ في أنّ هذه الإقامة هي إقامة دائمة لا مؤقَّتة، وقول العكس لا يعدو كونه ذرّاً للرَّماد في العيون، أو هروباً من المسؤولية ليس إلا، وكيف لا والإقامة مربوطة بالملكية ودائمة بديمومتها، وقد تدوم مدى حياة المشتري وحياة زوجه، ما دامت الوحدة السكنية مسجَّلة على اسمَهيما معاً، أو على اسم أحدهما في الدوائر العقارية المختصة، وهل من دائم أكثر من الدائم مدى حياتين؟
2 ـــ المصلحة من هذه الإقامة لمن تعود؟
هل تعود للخزينة؟ لا نعتقد ذلك، لأنَّ رسوم التسجيل تدفع مرَّة واحدة، ورسوم الإقامة تدفع سنوياً، وبالتالي مهما بلغت رسوم التسجيل، فلن تعادل في قيمتها رسوم الإقامة السنوية على مرِّ السنين، لو لم تعطِ هذه المادة الإقامة الدائمة، التي لا أحد يعلم حتى الآن إن كان يتوجَّب عليها رسم أو لا، وما قيمة هذا الرسم في حال توجُّبه، وفي أيِّ قانون يفرض وهو ليس له وجود في قوانين الأمن العام؟
أم هل تعود للبنانيين المحتاجين لشقق للسكن، وبخاصة الشباب منهم الذين لم يهاجروا بعد؟ بالطبع لا، وهم لن يصيبهم من نتائج هذه الإقامة الدائمة، إلا الغلاء الآتي في أسعار الشقق السكنية في المستقبل القريب، والذي يرتبط ارتفاعه بإقبال غير اللبنانيين على الشراء.
فتبقى المصلحة لمن إذن:
لتجَّار البناء، أولاً،
ثمَّ للهاربين من جحيم الضرائب في أوطانهم ومن التكاليف الضريبية الصحيحة والمضبوطة بنسب عالية، حيث الإدارات الضريبية ناشطة والضرائب مرتفعة، والتهرُّب الضريبي صعب إن لم يكن مستحيلاً، ثانياً،
وثالثاً، وهو الأدهى، أن يقبل على هذه الإقامة المتهرِّبون من المحاسبة الجنائية في بلدانهم، كرجال المافيات وغاسلي الأموال وعصابات تهريب المخدرات والأسلحة والأدوية والمواد الاستهلاكية المغشوشة، وأهل السرقات الكبرى ومروِّجي العملات المزوَّرة والعلامات المقلَّدة وسواهم كثير،
ورابعاً، التكفيريون والانتحاريون والانغماسيون وكل من يريد شرَّاً بلبنان، من عصابات التفجير والقتل والإخلال بالأمن والاستقرار، وكثيرون لهم مصلحة في ذلك،
وخامساً، لغير اللبنانيين، الموجودين على الأراضي اللبنانية، القادرين منهم والمدعومين على القدرة، الذين سيقبلون على الشراء طمعاً بالإقامة الدائمة، وغيرهم من الذين يجدون لبنان بلد الحريات التي يتشوقون إليها في أوطانهم، ويرون الحياة فيه، مهما قست، تبقى أفضل من الحياة في أوطانهم بكثير، والعمل فيه أنتج من العمل لديهم وأربح بأضعاف.

3 ـــ الإشكاليات التي تثيرها هذه المادة:

أ ـــ الإشكاليات القانونية:
1/أ ـــ ما هي مدة هذا القانون؟ وهل هو دائم أم مؤقت؟
إنه قانون دائم، أُقرَّ من ضمن قانون الموازنة الذي مدته سنة واحدة فقط، ما لم يبطله المجلس الدستوري، أو يعدِّله قانون آخر، وهذه الديمومة تنذر بعواقب وخيمة على الحجر والبشر، ليس أقلها إرهاق البنى التحتية في البلاد واستهلاكها بأسرع مما هو متوقَّع بكثير، والضغط على اليد العاملة والحلول محلَّها في ظروف قاسية، يعاني فيها اللبناني، عاملاً كان أو رب عمل، من ظلامة في أجره وشحٍّ في مداخيله، ومن بطالة في صفوف شبابه ومتخرجيه، ما يدفعهم إلى الهجرة، لتحلَّ محلهم العمالة الأجنبية الرخيصة، وغير الماهرة وغير المدرَّبة، ويفقد الوطن أبناءه ليستقبل أبناء البلدان الأخرى كلاجئين أو كنازحين، وهو ليس في الأصل بلد لجوء، ولم يوقع الاتفاقية الخاصة بوضع اللاَّجئين والعديمي الجنسية.
2/أ ـــ هل الوحدة السكنية المشتراة هي لسكن المشتري الزامياً، أم لا؟ والقانون يتكلم عن شراء وحدة سكنية دون أن يلزم مشتريها بالسكن فيها، بحيث يمكنه تأجيرها أو تركها شاغرة، والحصول على الإقامة.
3/أ ـــ هل فكَّر المشترع عند إقرار هذه المادة في أن المشتري قد يبيع الوحدة السكنية المشتراة بوكالة غير قابلة للعزل ووكالة عادية، أو بعقد بيع لدى الكاتب العدل، أو بهذه الأسناد مجتمعة، لمشترٍ آخر غير مستعدٍ لنقل الملكية على اسمه فوراً، فيستعيد المشتري غير اللبناني ماله ويربح الإقامة لسنين وسنين دونما كلفة أو عناء، ولماذا لم يضع الشروط اللاَّزمة لمنع هذا التحايل على القانون؟
4/أ ـــ ما هي آلية ضبط القيمة في ضوء النصِّ الحاضر؟ وكيف يصار إلى التأكُّد من صحَّتها ومن قبل من؟ وهل يعتبر بيان القيمة التأجيرية كافياً لهذا الغرض؟
5/أ ـــ ما هي آلية ضبط الثمن؟ وماذا يمنع المشتري من رفعه في تصريحه ليبلغ الحدَّ المطلوب؟
6/أ ـــ ماذا لو تعدَّد المشترون لوحدة سكنية واحدة؟ وهل تعطى الإقامة هنا للجميع أم لواحد منهم وكيف يجري اختياره؟
7/أ ـــ كيف ستُحل ضغوط المطالبة بالإقامة من المشترين السابقين لوحدات سكنية تستوفي الشروط التي يضعها النص؟ فهل يعطى هؤلاء إقاماتٍ؟ أم ترفض طلباتهم؟ وهل من العدل رفضها؟
8/أ ـــ كيف يمكن تحديد دقائق تطبيق هذا القانون بقرار يصدر عن وزير الداخلية والبلديات بناءً على اقتراح المديرية العامة للأمن العام، بدلاً من مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير؟
9/أ ـــ هل وضعت دراسة جدوى اقتصادية لإقرار القانون؟ ولماذا لم توضع؟ ولمصلحة من جرى التغاضي عن وضعها؟
10/أ ــ إذا اشترى أحد غير اللبنانيين ارضاً وبنى عليها شقة فهل يعطى إقامة أم لا؟
11/ أ ـــ ورثة المشتري هل يحق لهم بالإقامة أم لا؟
12/ أ ـــ هل تنتهي إقامة القاصر المحجور عليه لذاته أم لا؟ وكيف تنتهي ومتى؟
13/ أ ـــ متى تعطى الإقامة؟ أقبل الشراء أم بعده؟ وإذا كانت تعطى قبل الشراء فما العمل وما الإجراءات التي يجب اتخاذها إذا عزف الراغب في الشراء عن ذلك؟ وإذا كانت تعطى بعد الشراء، فما مصير هذا الشراء إذا رُفضت الإقامة وطلب المشتري الرجوع عن الشراء؟
14/ أ ـــ ما مصير إقامات الذين يرتكبون الجرائم ويسبّبون الإخلال بأمن البلاد والعباد؟ هل تُعَدّ ملغاة وكيف؟ وهل تلغى بقرار إداري أم بقرار قضائي؟

ب ـــ الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية:
1/ ب ـــ ارتفاع أسعار الوحدات السكنية بشكل غير منطقي، يمنع ذوي الدخل المتوسط، من أهلنا وشبابنا، من شراء شقة للسكن، ويمنع عليهم حقهم بالسكن، وهو الحق المكرَّس في الدستور والقوانين المرعية الإجراء.
2/ ب ـــ يستتبع ذلك ارتفاع في أسعار الأراضي الصالحة للبناء، يمنع ذوي الدخل المتوسط من الشراء لبناء منزل له ولإفراد عائلته.
3/ ب ـــ ارتفاع سوق الإيجارات، الأمر الذي سيقفل الباب بوجه أصحاب الدخل المتوسط للاستئجار للسكن، وبوجه شبابنا للزواج وتأسيس عائلاتهم، بحيث لا يبقى أمامهم إلاَّ الهجرة، تاركين وطنهم للغرباء.
4/ ب ـــ ثمار القانون لن يجنيها إلاَّ تجار البناء، والمرتبطون معهم من رجال المال والأعمال، هذا من جهة أولى.
4/ ب ـــ ومن جهة ثانية، فثمار هذا القانون المالية ستجنيها بيروت وضواحيها الساحلية القريبة، كبعبدا والمتن الشمالي وكسروان، دون سواها، لأنَّ مستوى الأسعار في المناطق الأخرى، تقلُّ بشكل ملموس عن الحد المطلوب، وهذا لمصلحة من؟ وهل من العدل أن تحرم المناطق الأخرى هذه النعم المالية والإنمائية، هذا إذا كان بالفعل هناك نعم مالية وانمائية؟
5/ ب ـــ توقُّع مخاطر كثيرة على صعيد المالية العامة وتزخيم عملية التهرُّب الضريبي.
6/ ب ـــ توقُّع ازدياد الجرائم الاقتصادية المنظمة.

ج ـــ الإشكاليات الأمنية والسياسية:
1/ ج ـــ المخاطر الأمنية المرتقبة بعد إعطاء الإقامات، على صعيد الهدوء والاستقرار في البلاد، ومنها:
2/ ج ـــ ازدياد الجرائم الإرهابية المنظَّمة.
3/ ج ـــ ازدياد الجرائم السياسية المنظَّمة.
4/ ج ـــ التأثير سلباً في النظام السياسي في البلد، وزعزعة أسس الوفاق والعيش المشترك بين اللبنانيين.
* باحث قانوني