استقرّت دمعة لثوانٍ في عين النائب السابق فارس سعيد، حينَ عاتبَ أحد المُحاورين منسّق الأمانة العامة لفريق ١٤ آذار سابقاً. قال المحاور، وهو كتائبي، مخاطباً سعيد، قبلَ التوجه إليه بسؤال، «أنت ذهبت كثيراً في هذه الثورة، وكنت وفياً أكثر من اللازم». من وجهة نظره، كسر سعيد الحواجز بين «الشرقية والغربية». لكنّ سعيد ليسَ نادماً. هو ينتظر عودة الذين غادروا «الفريق»، فإن عادوا إليه «أعود اليهم»، وأُكرّر التحالف مرّة واثنتين وثلاثة. لا «يتربّى» فارس سعيد، ولا يملّ، ولا يُصابُ باليأس. يخوض الآخرون معاركهم به، وعندما يحتاج إليهم، يتركونه، فيخوض معركته منفرداً.

غادر معظم أبطال «السيادة والاستقلال» صورتهم. يبقى الدرس المستفاد بعدَ أعوام أن المُشاكس يجب أن يبقى وحيداً. صحيح أنه في السياسة لا خصومة دائمة ولا صداقة دائمة، لكن فارس سعيد لا يتعلّم. عام ٢٠٠٨ أعلن النائب وليد جنبلاط هزيمته، وتموضع في الوسط، ولا يزال. سعيد لا يريد أن يُعلن هزيمته، ولا هزيمة ١٤ آذار. يخوض في دائرة كسروان ــ جبيل مغامرة جديدة من مغامراته الدونكيشوتية. قد تكون الأخيرة؟ ربما. وإن أنكر سعيد ذلك.
منذ أيام، خاض الرجل تجربة «حوار الجرأة» مع عدد من الصحافيين والمناصرين. تقبّل كل الانتقادات، وأجاب عن كل الأسئلة. قد لا يكون لزاماً نقل ما قاله. مواقف سعيد هي نفسها. في السياسة، هي نسخة مكررة عن خطاب ٢٠٠٥. أمنيات سعيد كثيرة. لم يتقاضَ أموالاً من السعودية لإسقاط ميشال عون، «لو طلع بايدي إسقاطه، لما قصّرت». لم يشارك في الانقلاب على سعد الحريري، «لكنني كنت آمل أن ينجح». كان يفضّل التحالف مع القوات، «لكنّ الواقع السياسي والانتخابي فرض أن أكون مع الكتائب والشيخ فريد هيكل الخازن».
لا شكّ في أن سعيد منكسر. مهما بدا غير ذلك. ومهما حاول إظهار عدم تمكّن خسائر السياسة من النيل منه. ما زال مقيماً خلفَ متراس السياسة. الانتخابات جعلته عارياً من التحالفات الثقيلة. أصبحت كسروان ــ جبيل هي مستقره الأخير. يحاول الحفاظ على قلعته السياسية الصغيرة. التعويل على الرفاق القدامى ليس مضمون النتائج، لاعتبارات عدة. في رأيه لن يخرج أحد من هذه التسوية (الرئاسية) الإ في حال تبدّل موازين القوى.
لم يعارض يوماً ترشّح حزب الله في جبيل. قال في الحوار إن «في السياسة منافسة، ولا أحد بإمكانه أن يلغي الآخر، وأعتقد أن العيش المشترك في لبنان هو الذي ينقذ البلد ويعطيه دوره المستقبلي». يستدرك فيعود للهجوم على حزب الله، قبل أن يتوجه للناخبين «حتى وإن لم يحالفني الحظ في الانتخابات، لن أترك الناس. أنا أترشّح ولا أحد يرشّحني. أخوض المنافسة الانتخابية مرفوع الرأس من دون أن أمدّ يدي الى أحد».