المتن الشمالي يغلي قبيل أسبوع من موعد الانتخابات النيابية. ليس سهلاً أن تتخلخل أعمدة امبراطورية ميشال المر التي حكمت الدائرة عشرات السنوات لينهي زعيمها حياته السياسية بخسارة مقعده. ويبدو واضحاً أن التيار الوطني الحر الذي «قصقص جوانح» المر بهدوء، يسعى إلى توجيه الضربة القاضية إليه قريباً عبر إنهاء نفوذ اتحاد بلديات المتن الذي ترأسه ابنته وإعادة الصلاحيات إلى التنظيم المدني. وفيما استفحل الصراع ما بين القوات والكتائب على القاعدة المشتركة، باتت صور مرشحي اللائحة القواتية تعلق بجانب بيوت الكتائب علانية.

يحلق «النسر الصادق ذو الرأسين» فوق أوتستراد المتن الشمالي مخاطباً الناخبين: «المتن بعهدو بيوفي بوعدو». اللقب هذا من بنات أفكار مدير مكتب المرشح سركيس سركيس، هنري بجاني، تيمناً بشعار الدولة الروسية للدلالة على النبل وقد اعتمدته أيضاً الامبراطورية الرومانية التي يدير فيها سركيس اليوم عدة قطاعات حيوية. قبيل ذلك، سبق لبجاني أن أطلق على حليف سركيس السابق رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل لقب «البطل النمرود دكر المتن»، فيما دأب على تسمية النائب ميشال المر بـ «الركن الوفي الصادق». لكن لقب النسر في الأساس يحمله المر منذ زمن بعيد؛ هو النسر ذو الستة أجنحة ولو أنها باتت أجنحة متكسرة. الجانح الرئيسي الذي كان يرفعه هو جانح اتحاد البلديات الذي ترأسه ابنته ميرنا المر، والذي لطالما شكل مصدر قلق للمقاولين والمهندسين والمواطنين من ناحية التراخيص والإسكان ورخص البناء، ومصدر قوة ونفوذ لـ «أبو الياس» ورؤساء بلدياته. إلا أن هذا الجانح سقط أخيراً مع قرار التيار الوطني الحر ومن ورائه رئيس الجمهورية ميشال عون إعادة جدولة الصلاحيات وحصر مهمة الاتحاد التنسيق بين البلديات مقابل ردّ مهمة إصدار الرخص وغيرها إلى التنظيم المدني. وتشير المعلومات إلى أن هذا التغيير سيبدأ تطبيقه بعد الانتخابات النيابية ومن شأنه أن يفقد المر آخر مكامن نفوذه، خصوصاً أن «بعض رؤساء بلديات الساحل يهددون المواطنين اليوم بهذه الرخص». وهو ما استدعى رداً من الوزير السابق الياس بو صعب من بلدة انطلياس يؤكد فيه أن «زمن التهديد ولى لأن من يهدد لا قدرة له على التنفيذ بعد اليوم وسيحاكم في القضاء». وفعلياً كانت هذه الوظيفة مناطة برئيس الجهاز الإداري في الاتحاد نبيل السمرة الذي لطالما اشتكى المتنيون من سطوته والمهندسون من إذلاله لهم. ووفق المصادر «سيتوقف كل ذلك ليعاد تطبيق القانون خصوصاً أن قرار تجديد عقد السمرة بيد القائمقام الذي سيعينه قريباً رئيس الجمهورية».

هدف لائحة «المجتمع المدني» برئاسة نحاس: الناخبون الذين لم يحسموا خياراتهم بعد

بموازاة ذلك، أسقط التيار جانح المر الطاشناقي وحليفه التاريخي عبر استمالة الحزب إلى اللائحة البرتقالية حيث لا أمل للنائب الأرمني بالربح سوى بانضمامه إليها.
جناحا العمارة الآخران اللذان كان يحلق بهما فوق ساحل المتن، جناح رئيس بلدية الجديدة ـــ البوشرية ـــ السدّ أنطوان جبارة من الشمال وجناح رئيس بلدية الضبيه قبلان الأشقر من اليمين، سقطا أيضاً في السلة العونية. علماً أن الرجلين مثّلا لعشرات السنوات رأس حربة المر وماكينة انتخاباته الرئيسية، قبل أن ينضم جبارة إلى العونيين فيلقبه الياس المر بـ «يهوذا الأسخريوطي»، وتترشح ابنة قبلان الأشقر على لائحة التيار. الجناحان الباقيان ليس إلا السلطة والمال. أمران تضاءل حجمهما كثيراً منذ نحو 13 عاماً، فبقي المر نسراً في نظر البعض إنما حتماً من دون جوانح ترفعه، وبات تركيزه الرئيسي اللعب على وتر الناخبين العاطفي عبر شعار: «المتن بيتذكر المتن ما بيتنكر». من هنا حملت اللائحة اسم «الوفاء المتنية»، ولو أن علاقة غالبية أعضائها بالوفاء ملتبسة بعض الشيء. فقد يكون مفهوماً أن يطالب المر ناخبيه ومن عمل على خدمتهم طوال فترة حكمه لهم بمبادلته الوفاء، إنما كيف يمكن للمرشح عن المقعد الماروني شربل أبو جودة رفع هذا الشعار هو الذي نقل البارودة من الملعب القواتي إلى ملعب العمارة فضلاً عن أن سركيس هو الذي أتى به إلى اللائحة عند انضمامه إليها قبل أن يعلن رسمياً انسحابه منها عند انتقال سركيس إلى لائحة التيار ليعود ويدخل إليها في اليوم الثاني. وأبو جودة مهندس لعدة مشاريع تخص سركيس. مرشح «الوفاء» الثاني كاثوليكي يدعى جورج عبود بقي عونياً إلى حين تأكده من عدم تبني التيار له كمرشح، فقدم استقالته سريعاً ليناصر «أبو الياس». فيما يمكن منح المرشحة الثالثة نجوى عازار يوبيل الوفاء الذهبي لبقائها على ولائها للمر، فهي في النهاية طبيبته ووالدها رئيس بلدية سنديانة عينطورة كان أحد «ريّاس دولته». ولكن ما دخل المتنيين بذلك؟ حالها من حال المرشح عن المقعد الماروني ميلاد السبعلي الذي كان يمكن له الوفاء للخط القومي عبر الانسحاب لمصلحة مرشح الحزب السوري القومي الاجتماعي، غسان الأشقر، كما فعل في عام 2009. لا همّ، فلائحة العمارة قوامها اسم واحد يدعى ميشال المر. ذلك لا يعني أبداً أن الأخير ضعيف: ينطلق من قاعدة متينة، ويستشرس في العمل. وخلافاً للاستحقاقات السابقة، يتصل مكتبه بالناخبين فرداً فرداً. بينما تقوم استراتيجيته الأساسية على تقسيم الحاصل على بلدات المتن وتكليف مفاتيحه بعدد أصوات معينة لتأمينها له.

أنطلياس تتحدى بكفيا
منذ مطلع الأسبوع الجاري، بدأت معركة الماكينات جدياً في حين وصلت المعركة السياسية إلى أوجها بين التيار الوطني الحر وحزب الكتائب: النائب إبراهيم كنعان في وجه النائب سامي الجميل، والنائب ميشال المر في وجه الوزير السابق الياس بو صعب. في النقطة الأولى، نجح العونيون بتأسيس لوبي يلحق بالجميل أينما حلّ، فيومئون له برؤوسهم خلال هجومه على «لا إنجازات التيار» في جولاته المتنية ليبادروا إلى سؤاله بعدها: «جيد ولكن أنت ماذا فعلت للقضاء؟». ليخرجوا له بعدها مشاريع إنمائية عونية من تعبيد طرقات إلى المدارس الرسمية مقارنين بين عمله وعمل بقية النواب، متابعة التكتل لطلبات البلديات والمواطنين في الوزارات و «اللامبالاة الكتائبية»: «يكفي أن نأخذ النائب نبيل نقولا مثالاً»، يقول أحد المسؤولين العونيين، و «نقارن بين ثانوية انطلياس التي تمكن الأخير بالتنسيق مع بو صعب من رفع مستواها ومضاعفة عدد الطلاب المتنيين فيها، فيما بقيت ثانوية بكفيا على حالها منذ سنوات». أو يمكن مثلاً «المقارنة بين حديقة جل الديب العامة التي أعيد تأهيلها وبين حديقة بكفيا التي أكل الصدأ حديد ألعاب الأطفال فيها». ترد مصادر الكتائب على ما سبق بالتأكيد على أنه «تمت محاصرة الكتائب بشكل أن مطالبه وضعت في الجارور لا سيما مع فوزهم برئاسة الجمهورية. على رغم ذلك تمكن سامي من موقعه المعارض من إيقاف مشاريع قوانين كان الهدف منها إفلاس جيب المواطن وآخرها الضرائب فضلاً عن المادة 49 من قانون الموازنة التي كان الهدف منها توطين مبطن».

سركيس «يخطف» عونيين
عمل ماكينة التيار الوطني الحر بشكل متواصل وبدفع أكبر من أي وقت سابق. خلال جولة رئيس التيار جبران باسيل الأسبوع السابق إلى المتن الشمالي كان واضحاً في تعليماته إلى من هم غير حزبيين أمثال رجل الأعمال سركيس سركيس باستهداف جمهور مختلف عن جمهور التيار. وعند وصوله إلى قرنة الحمرا، مسقط رأس سركيس، حيّا باسيل مرشحه مؤكداً أنه «أعطى أهل المتن ولم يأخذ يوماً منهم أو من دولتهم»، وذلك رداً على منتقدي هذا الخيار العوني. ولكن حتى الآن، يُلحق سركيس أضراراً باللائحة من ناحية خطفه أصواتاً غير قليلة كان يفترض أن توزع على مرشحي التيار. من جهة أخرى، يبدو لافتاً نشاط الأخير في الإرساليات والرهبنات والكنائس والأديرة بحيث تتركز غالبية جولاته هناك ويؤيده رجال الدين علانية. وهؤلاء مؤثرون كلّ في رعيته وعائلته ومحيطه. الأمر الذي حدا بباسيل خلال كلمته الى الطلب منه الالتزام بترميم كنيسة قديمة متنية كل عام. وفي سياق آخر، يكثف سركيس من حركته في بكفيا وجوارها ويدور الحديث عن استقطابه لكوادر كتائبية ونائب رئيس إقليم سابق. طموح المرشح الماروني هنا أن يحل في المرتبة الثالثة بعد كنعان وسامي، ويعمل ضمنياً على هزيمة المرشح القومي غسان الأشقر متكلاً على تشتت أصوات القوميين ما بين بو صعب والمرشحة كورين الأشقر والمرشح ميلاد السبعلي. أما النائب إبراهيم كنعان فيتنافس وسامي على كثافة النشاطات اليومية التي تفوق المعقول أحياناً، وبات واضحاً أن حرب الأصوات التفضيلية أساسية عند الطرفين على رغم أن كنعان لن ينال كل أصوات التيار بطبيعة الحال بحكم وجود مرشحين حزبيين آخرين على اللائحة. ويحاول بو صعب من جهته اللعب في ملعب غير الحزبيين لتفادي التصادم مع زملائه. أما النائب غسان مخيبر، فيستميل الأصوات العونية والمحايدة بهدوء تام مستفيداً من صورة المشرع التي حفرها في عقول الناخبين. كاثوليكياً، يبدو واضحاً أن المرشح إدغار معلوف أسس كتلة عونية وازنة تعمل لمصلحته.

نيابة حنكش بيد سامي
فشلت لائحة النائب سامي الجميل في ركوب موجة المجتمع المدني واستقطاب ما تسميه «النخبة المتنية»، وعادت لتعمل كلائحة كتائب لا أكثر ولا أقل. الدفع الذي كان يحظى به الجميل سابقاً على حساب تكتل 14 آذار انتهى مع انقسام القوى على 4 لوائح مختلفة: التيار والمر والقوات والكتائب. لم يعد تصويت «كتائب المر» مضموناً لمصلحة اللائحة، لا سيما مع وضع النائب ميشال المر كل ثقله لاستمالتهم. هؤلاء لم يضطروا إلى الاختيار ما بين «أبو الياس» والكتائب منذ السبعينات حتى اليوم لذلك لا يزال التردد سيد الموقف عندهم. مرشحو اللوائح الأخرى من سركيس سركيس إلى مكتف إلى رازي الحاج وطبعاً ميشال المر يزاحمون بكفيا على ناخبيها وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على الجميل. ناهيك عن أن الفتى الكتائبي لم يخلق منافسة في الأوساط الأرثوذكسية والكاثوليكية مع ترشيحه أسماء مغمورة وتركيزه على مقعده الماروني فقط؛ الأمر الذي ساهم بتضييق ملعبه. على رغم ذلك، تشير دراسات الماكينات إلى أن حصة الكتائب لن تقل عن نائبين إذا حافظ الحزب على جمهوره ومنع القوات من خلق جو تعاطف معها على حسابه. ويتوقف الاسم الثاني على كيفية توزيع الأصوات التفضيلية، فإيعاز الجميل للتصويت لمصلحة مرشحه الحزبي الماروني الياس حنكش سيأخذ من دربه أصواتاً ويضعه في مرتبة ثانية، لكنه سيساهم في فوز حنكش، أي زيادة الربح الكتائبي. أما تجيير كل الأصوات لمصلحة سامي، فيسقط حنكش ويقوي حظوظ المرشح الأرثوذكسي، مازن السكاف. الثابت أن الجميل لا يحظى بترف ما قبل إعلان لوائح حين كان في وسعه اللعب على وتر المستقلين، وذلك بعد تأليف الوزير السابق شربل نحاس لائحة مدنية غالبية مرشحيها غير سياسيين، ومؤيدوها بطبيعة الحال من الناخبين اللاحزبيين. وتُجمع الماكينات على أن غالبية الناخبين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 21 و30 سنة لم يحسموا خيارهم بعد أو لا يرغبون بكشفه الآن. والمفترض أن يكون هؤلاء الهدف الأول للائحة المجتمع المدني تحت اسم «كلنا وطني».



لا «نجم» للقوات في المتن
تقوم الاستراتيجية القواتية على زرع نجم في كل دائرة، زياد حواط في جبيل وجورج عدوان في الشوف وجورج عقيص في زحلة وبيار بو عاصي في بعبدا. غير أن مرشحها في المتن ادي أبي اللمع فشل في تنصيب نفسه كنجم أسوة بزملائه. يفسر المقربون منه ذلك بارتياحه إلى صبّ أصوات القوات التي لا تقل عن السبعة آلاف لمصلحته، الأمر الذي يضعه في المرتبة الثالثة مارونياً بعد النائبين إبراهيم كنعان وسامي الجميل.
إلا أن حلوله ثالثاً يحتم على لائحته تأمين حاصل انتخابي، وهو ما ليس مؤمّناً، وفق بعض الماكينات، على عكس ما يقوله مرشحو اللائحة الذين يؤكدون تأمينهم حاصلاً وربع حاصل، وأنهم يعملون على زيادته إلى النصف ليحصلوا على مقعدين. تبقى المشكلة الرئيسية أن الماكينة القواتية لم تتمكن حتى الآن من تأمين عدد كاف من المندوبين لتغطية كل الأقلام الانتخابية. أعضاء اللائحة نشطون، من الإعلامية جيسيكا عازار إلى الكتائبي السابق ميشال مكتف (مرشح عن المقعد الكاثوليكي) الذي يغرف من صحن حزب الكتائب وبات يمكن رؤية صوره في الكثير من البلدات المحاذية لبكفيا على بعد أمتار من بيوت الكتائب. فضلاً من استفادة مكتف من الصناعيين الذين تعاون معهم من أيام الوزير الراحل بيار الجميل ومن موظفي الشركات التي يديرها. أما المرشح الماروني رازي الحاج فيسعى إلى تأمين أصوات مؤيدة له من بلدته بسكنتا وجوارها.