قبل نحو عامين، خلت الضاحية الجنوبيّة لبيروت مِن أكثر قاطنيها. بدت يومها غير الضاحية. لم تكن «العجقة» قد فارقت نهاراتها منذ عشرة أعوام، منذ حرب تموّز، حين غادرها الناس قهراً، أمّا في الثانية فكانت المغادرة اختياريّة. غادروها إلى قراهم البعيدة، في الجنوب والبقاع وجبيل وغيرها، ليقترعوا في الانتخابات البلديّة والاختياريّة. وحدهم أولئك القلّة هناك، الذين لا يقترعون، ينعمون بيوم مِن الهدوء الاستثنائي. ستكون الضاحية، في السادس مِن أيّار المُقبل، على موعد جديد مِن ذاك الهدوء. هي الآن تغلي حماسة انتخابيّة، وصور المرشّحين إشارة إلى ذلك... فضلاً عن «نداء السيّد» الذي يُغني عن أيّ تحليل.

عند جسر المشرّفيّة تُطالعك صورة بارزة لمرشّح حزب الله في البقاع، إيهاب حمادة، ابن مدينة الهرمل التي تبعد عن العاصمة نحو 140 كلم. لعلّ عدد قاطني الضاحية مِن أبناء البقاع، وحدهم، يزيدون على عدد «السكّان الأصليين» للضاحية. لا غرابة أن تكون صور مرشّح بقاعي هنا أكثر عدداً مِن صوره المرفوعة في دائرة ترشّحه. إلى الأمام قليلاً، باتجاه أوتوستراد السيّد هادي نصرالله، يطلّ النائب الحالي علي عمّار مبتسماً، وتحت صورته عبارة: «الحاج المُجاهد علي عمّار». هو مجاهد هنا، وإن ببذلة رسميّة أنيقة، لكن بلا «كرافات» طبعاً. عمّار هو أحد أبناء الضاحية الأصليين. ابن بلدة برج البراجنة. هو مرشّح حزب الله عن دائرة بعبداً، إلى جانب مرشّح حركة أمل عن الدائرة نفسها فادي فخري علامة، وفق الحلف الثنائي بين الحزبين على مساحة لبنان. كثيرون مِن قاطني المنطقة تعرّفوا إلى وجه علامة، للمرّة الأولى، إثر انتشار صوره أخيراً، تحديداً في محيط الطيّونة ـــ الغبيري. هناك مَن سمع باسمه سابقاً، مقترناً باسم أبيه، ومِن خلال حضور «مستشفى الساحل» في حياة أبناء المنطقة.

ربيع عوّاد، المرشح المنافس لمرشح حزب الله، صاحب الصورة الأضخم في الضاحية


لا أحد ينافس ربيع عوّاد، ابن منطقة جبيل، والمرشّح هناك، في ضخامة صوره المنتشرة في الضاحية. إلى الآن، هو صاحب الصورة الأكبر، المرفوعة عاليا جدّاً، عن آخر طلعة العامليّة المُطلّة على طريق المطار. هو ليس مرشّح حزب الله في جبيل، ومع ذلك يحضر بقوّة دعائيّاً في عرين الحزب، وشعاره: «ربيع لبنان سينطلق مِن جبيل». لو أنّ هناك مَن يشور عليه، إعلانيّاً، بأن «الربيع» لم يعد مادة لطيفة للترويج بعدما أصبحت مقرونة، في وعي الناس، بالخراب والدمار والويلات. عموماً، ها نحن نعيش «عرساً ديمقراطيّاً» (إلخ). في نهاية الأوتوستراد، الذي يقطع الضاحية من شمالها إلى جنوبها، توزّعت صور صغيرة الحجم للشيخ حسين زعيتر، مرشّح حزب الله في منطقة جبيل. زعيتر وعمّار هما أصحاب العدد الأوفر مِن الصور في الضاحية. شوهد زعيتر، قبل مدّة، في حيّ الرمل العالي، المتّصل بمنطقة برج البراجنة، قرب أزقة «سوق الأحذية» تحديداً. ذاك الحي مِن أكثر أحياء الضاحية اكتظاظاً وعشوائيّة. كان المرشّح الجبيلي هناك، ضمن جولة، ضيفاً عند أشخاص مِن آل عوّاد يُقيمون هناك. في منطقة الرمل العالي صور المرشّحين قليلة جدّاً. في الضاحية أحياء تُعرف بأسماء عائلات: حيّ آل عواد، حيّ آل حميّة، حيّ آل المولى، حيّ آل منذر وهكذا. كلّ هؤلاء نزحوا قديماً مِن الريف إلى تخوم العاصمة. أحد المخاتير فاز بالمخترة، قبل نحو عامين، عن إحدى قرع البقاع، لكنّه مع ذلك ظلّ يُقيم في الضاحية. مكتبه في الضاحية. أبناء عائلته الذين يقطنون حوله أكثر مِن المقيمين في قريتهم البقاعيّة. هذه سِمة مِن سمات الضاحية.
لا منطقة تنافس الرمل العالي، في الاكتظاظ والإهمال والعشوائيّة، سوى حيّ السلّم... أو «حيّ الكرامة» بحسب العبارة التي تُطالعك على نصب وسط محلّة «الموقف». هناك، يفوز النائب السابق والمرشّح الحالي، يحيى شمص، بجائزة أكبر صورة. هياكل قلعة بعلبك خلفه... في حيّ السلم. شعاره: «بعلبك الهرمل مش ملك حدا». هناك صورة للوزير الحالي، والمرشّح الحالي، حسين الحاج حسن، مذيّلة بعبارة: «وزير برتبة مقاوم». صورة صغيرة، أصغر، للمرشّح ألبير منصور. هذه تبدو، هناك، خارج السياق. إلى جانب صورة شمص، تتدلى صورة لمرشّح الحزب في البقاع النائب علي المقداد، مع عبارة: «لي عطاني القوّة والعزّة والكرامة مش بس صوتي بعطيه.. دم بعطيه». تختفي الصور، تماماً، عند الدخول إلى أزقة حيّ السلم الضيقة. هذا طبيعي، تلك الأزقة لا تدخلها السيارات عادة، وإن دخلتها فأقرب إلى المعجزة. في الطريق مِن ذاك الحيّ باتجاه برج البراجنة، في منطقة تحويطة الغدير، يطلّ النائب علي فيّاض مِن أعلى عمود الكهرباء: «رجل الملفّات الصعبة». صوره قليلة في الضاحية عموماً. فيّاض ابن بلدة الطيبة الجنوبيّة، التي تبعد نحو 90 كلم عن الضاحية، وما بينهما مِن دوائر، يظهر في صورة أخرى مذكّراً بإنجازه في ملف نهر الليطاني. في برج البراجنة، يظهر الوزير الحالي والمرشّح البقاعي غازي زعيتر عند مدخل مقرّ قيادة حركة أمل. بحسب اللافتة، هو «ثقة دولة الرئيس» (نبيه برّي). بعض الفتية كانوا يطلقون المفرقعات قرب صورته. ذاك المقرّ ليس بعيداً عن منزل النائب علي عمّار. هناك حيث الانفجار الصوري واللافتات ذات التعليقات الطريفة (الصبر جميل والحق عليّ.. للمحبّين والمبغضين). لعمّار صورة ضخمة عند مدخل منطقة المريجة: «مرشّح الفقراء والمستضعفين». كلّ هذا الخليط المناطقي، التي تحويه الضاحية، يحصل انتخابيّاً ضمن دائرة بعبدا. نجد صوراً قليلة لـ«التيار القوي» (التيار الوطني الحر) عند حدود منطقة الشيّاح. صورة، هناك أيضاً، للائحة «سوا لبعبدا» (الكتائبيّة ـــ المدنيّة). كذلك لائحة «كلّنا وطني» («المدنيّة»). لا معركة حقيقية في تلك الدائرة، فالمقاعد محسومة بين تحالف ثنائي حزب الله ـــ حركة أمل والتيار الوطني الحرّ والحزب الديمقراطي مِن جهة، وتحالف الحزب الاشتراكي والقوّات اللبنانيّة وتيار المستقبل. سقف التوقّعات أنّ المنافسة هي على مقعد واحد، بحسب الكسر الأعلى، وذلك مِن بين المقاعد الستّة المخصّصة للدائرة. لا تبدو الضاحية، كحيّز جغرافي، معنيّة بالانتخابات... أمّا قاطنوها، فأكثرهم هناك بأجسادهم، ينتظرون يوم الاقتراع للتوجّه إلى قراهم البعيدة. هناك مَن لم يقصد قريته منذ سنوات، سيفعلها يوم السادس مِن أيّار، ليوم واحد فقط، قبل أن يعود ليُكمل نمط حياته «الضاحيوي».