المجلس النيابي الذي سيُنتخب في السادس من أيار، سيذهَب إلى تمديد جديد. استنتاج يستخلِصه بعض المُراقبين لمسار الحملات الانتخابية. لماذا؟ لأنه لا يُمكن مرشّحاً أو رئيسَ حزبٍ أو تيار أو أي زعيم طائفة أن يرتضي لنفسه مرة أخرى هذا الذلّ. ذلّ طوعي لإقناع الجمهور بهذا المرشح أو ذاك، والنتيجة غير مضمونة.

أحمد الحريري. الأمين العام لتيار طويل عريض (هو في المناسبة غير مرشّح) يطِل علينا في صورة، يقوم أحد المناصرين بإطعامه موزة أو قطعة كنافة. هذا نوع من العفوية؟ لعب الورق مع «المعتّرين» في مقاهي الفقراء. أيضاً عفوية. أخذ نفس «أركيلة». السيكارة لا تفارق يده. رقص الديسكو. كلها تحصل عفواً وليس بوصفها «عدة انتخابية». رئيس حكومة يخرج في حمأة وضع اقتصادي يكسر ظهر المواطنين، ليعِد الناس بأخذ «سيلفي» مع كل من ينتخبه. بعدها يرسل تطبيقاً يُتيح لجمهوره الحصول على صوره معه، لكأن الرجل يعود من «بيكنيك» ويعمّم الصورة على «الشلة». لا يجِد ضيراً في جلوسه على سطح السيارة، كما فعل في البقاع ثم في القلمون شمالاً، أو وقوفه على كرسي حاملاً «مايكروفون» يردّد الأغاني كأنه مُطرب في حفل. بات تبويس الأيادي طقساً من طقوس الجولات. كأن نرى مرشحين يدخلون بلدات وقرى يزورونها كفاتحين. لا يكتفون بذلك. على الكاميرا أن تركز على تقبيل أيدي المسنين. تراهم على الخيل يركبون، وعلى وقع الطبلة يُزَفّون وفي الطرقات يسيحون. بعض المرشحين أصبحوا علامة فارقة على تطبيقات الهواتف. رئيس حزب الحوار الوطني فؤاد مخزومي، يتنقل على هواتف المواطنين. على صفحات فايسبوك وتويتر و«إنستاغرام» وحتى «سنابشات» و«غوغل دوت كوم». يتباهى فريق «السوشيل ميديا» عنده. هم يقتدون بدونالد ترامب. وسائل التواصل تتفوق على التلفزيونات والصحف والمواقع الإلكترونية.
في هذه الانتخابات، يُمكن أن تمُرّ إلى جانب محطّة بنزين، فيجود صاحبها المرشّح رجا الزهيري على بعض المارين بمعطّرات السيارات، وسندويشات الشاورما في وطى المصيطبة. تسير تحت لافتة مرشّح عن مقعد الأقليات يدعى رياض عاقل، يقول إنه «مرشّح حتى ما نضل أقليات». أصغر مرشح للانتخابات، مثلاً، وهو من مواليد التسعينيات، يدعى محمد شاتيلا، يريد أن يعيد أهالي العاصمة إلى «بيروت أيام زمان». أحد المرشحين بشّرنا بأننا يُمكن أن نستخرج النفط من مكبّ برج حمود، كما فعل سركيس سركيس.
عاشت أجيال لبنانية لترى كيف أن مرشح البرجوازية المسيحية التقليدية، وتحديداً الكاثوليكية (ابن الصحناوي) ينزل إلى طرق العاصمة، يبيع الفواكه والخضار ويطرش الحيطان. هذه حالة نقولا صحناوي. الكاثوليكي الزحلاوي الآخر (ميشال ضاهر) يسلك درباً مختلفاً. إلى مزرعة نعام يتوجه، وهناك، تهجم عليه نعامة جميلة، فيكون الفيديو وسيلة ترويج للمرشح العظيم. جبران باسيل يبيع الليموناضة في البترون، ويشارك في تقطيع سيخ الشاورما في بسكنتا. مرشح صيداوي يتناول حلوى «السنيورة» أمام المارة، ولا بأس بلقمة لحمة نية في هذا السوق الجنوبي أو ذاك. صار المرشحون فجأة في قمة التواضع، ومادة لفيديوهات الواقع.

لا أسلحة محرمة إلى حد استخدام المسنين والأطفال وافتعال عفوية مصطنعة


هذا الصوت التفضيلي اللعين خلع عن بعض المرشحين جديّتهم. دفعهم مثلاً إلى الإطلالة من فتحات سقوف سياراتهم، كالنائب أمل أبو زيد، أو إطلاق «صفيرات» كالأطفال والوقوف على الأرائك لأخذ الصور مع المناصرين كالمرشّح أسعد نكد. في الشمال، كاد وجيه البعريني يضع الكوفية وهو يشمِّر عن زنديه، محاولاً إعداد ما تيسّر من مناقيش الصاج. في البقاع، يفترش المرشحون أرض البيوت متربعين، كما فعل حسين الحاج حسن. في البقاع أيضاً، رقص عالهوارة. حسين الحاج حسن أيضاً وأيضاً، يحيط به الغازي والزميل الصحافي (المرشح طبعاً). ما هكذا كان ينتظر الصحافيون أن تكون صورتهم في السياسة والانتخابات. الصحافيون والصحافيات من المرشحين، لم يبتكروا جديداً. بدا النظام أقوى منهم. صاروا جزءاً من لعبة الانتخابات بأبشع صورها.
ظاهرة إشراك الأطفال في الحملات الانتخابية رائجة، كأن يطل علينا المرشحون في كل مهرجان وهم يحملون الأطفال ويقبّلونهم، وهذه هي حال سعد الحريري في معظم جولاته. ذهب بعض المرشحين أبعد منه بمراقصة الأطفال. علماً أن هذه الفعلة وتلك، لا يُسمح بها وفق أبسط معايير حقوق الأطفال.
المُضحك أن المتسابقين على المقاعد الـ 128 لا يقدمون قضية في السياسة تستحق أن يقاتلوا من أجلها. فلا «شُكراً سوريا الأسد»، ولا «إلى اللقاء سوريا». اختفت شعارات السيادة والحقيقة والاستقلال والمسار والمصير. قانون الانتخاب الجديد ألغى الخصومات السياسية، وتحوّل المرشحون إلى «دكنجية». إذا استثنينا حزب الله وحركة أمل وتيار المردة والحزب القومي. نعم، لا أحد يعرف أين تبدأ التحالفات وأين تنتهي. لا قيمة للبرامج والمبادئ والقضايا. صار القيِّمون على اللوائح عبارة عن آلات حاسبة. حسبة الحاصل والصوت التفضيلي. تحولت الانتخابات إلى فعل استجداء لصوت الناخب. والانتخابات مناسبة لكي يبتزّ الناخب المرشحين. يمكنك أن تطلب وظيفة أو مساعدة أو عازلاً أسود لزجاج سيارتك. رقم مميز. رخصة سلاح. مهلة إدارية لمقلع أو كسارة أو مرملة. لا ضيرَ في زيارة خيمة عشيرة تُلبس المرشح العتيد عباءة يعتقِد أنّها عنوان مُبايعة، في انتظار أن تبين له الصناديق الخيط الأبيض من الأسود.
لكلّ مرشّح أو حزب أو لائحة، فصيلٌ إلكتروني، وأحياناً جيشٌ كامل العدّة والعتاد، يُصرف له المال كي يؤدّي واجبه. مهمّة «قوات التواصل» هذه مزدوجة. من جهة إبراز إيجابيات من تعمل عنده. ومن جهة أخرى تشويه صورة خصمه. مجدداً، تغيب القضية، وتحلّ اللاسياسة. كل ذلك جعل «غوبلز» تلميذاً غبياً أمامهم، إلى درجة أنه يفكر في الانتحار مجدداً.