ينهمك العامل بـ«فرط» حبّات المعطّر في الصندوق الخشبي. انتهت للتو الدفعة الأولى منها، وعليه أن يسرع في مهمّته ليوزّعها على السيارات الداخلة إلى محطّة الوقود. «فُرٍز» العامل وهو من جنسية آسيوية أخيراً لمهمة لا تتطلب منه سوى تقديم المعطّرات للسائقين. ليست مهمة شاقة بطبيعة الحال، لكنّها ضرورية للترويج انتخابياً لـ«الشيخ» رجا الزهيري، المرشّح عن المقعد الدرزي في دائرة بيروت الثانية. ضرورية تبعاً لوجه الزهيري المعطّر والمعلّق على مرايا السيارات، والمذيّل بكلمة «vote».

الانتخابات التي ستحلّ بعد أيّام، تفرض على «الشيخ» أن يكون في كل مكان في حرم «مملكته»: محطّة الزهيري القابعة عند تقاطع مفصلي في وطى المصيطبة، حيث تعيش أكثرية درزية. هناك، بيته أيضاً. في الطبقة الأولى فوق المحطّة. لم يترك المرشّح على لائحة «كرامة بيروت» ـ التي اتّخذت «الكفاءة معياراً» لها ـ مكاناً من دون وجهه. عند مدخل المحطّة، تدلّى من أعلى سطح بيته، كأنّه يسقط من السماء. على الجدار الأيسر للمحطة، علّقت صورتان عملاقتان له، تذيلان المكان الذي صار مكاناً لاجتماع أعضاء اللائحة. إلى الباحة الخلفية، حيث مدخل مغسل السيارات، غطى وجه الزهيري إعلانات زيوت السيارات وعروضات «الغسيل». هناك، حيث يقف العامل الأسمر يوزّع المعطرات التي تحمل وجهه. معطرات بنكهة الفانيليا أو بالأحرى رجا الزهيري بنكهة الفانيليا. رجا الزهيري في كل مكان. قبل المحطة بعشرات الأمتار وبعدها. على الجدران. على قمصان العاملين في المحطة، الذين صاروا أقرب إلى اللوحات الإعلانية المتنقلة. الكل يلبس رجا الزهيري. اللافت أن أغلب صور الأخير في «جمهورية المحطة»، لا تشبه الصورة الجماعية للائحة «الكرامة»، بدا فيها قريباً من منتصف العمر. فقد الرجل الكثير من ملامحه في الصورة الجماعية، فكانت الصورة الأكثر انتشاراً في الطرق، لتلك المألوفة التي تبعده قليلاً عن عمره.

معطّرات بنكهة الفانيليا أو بالأحرى رجا الزهيري بنكهة الفانيليا


هناك، في المحطة، ينادونه «الشيخ». وهو، في العرف السائد، «رب العمل». نسأل أحدهم: هل ستنتخب الشيخ؟ يأتي الردّ بابتسامة «يا ريت، بس أنا سوري». الآخر «مصري». الثالث «بنغلادشي». الكل «منتشر» هنا. لا أصوات للشيخ. كل ما في الأمر أن ذلك يأتي في إطار الدعم للمرشّح. لا أكثر من ذلك ولا أقل. لبسوه على قمصانهم وقبعاتهم وستراتهم لأن «الإدارة طلبت منا ذلك»... دعماً له.
الشيخ في بيته. في الطبقة الأولى من المبنى. لم ينزل بعد. عندما ينتصف النهار، ينزل إلى حديقة بيته ليستقبل وأعضاء لائحة «الكرامة» مواطنين بيارتة، مستمعين إلى شكاواهم ومطالبهم، «من الساعة الرابعة عصراً إلى العاشرة ليلاً»، كما تقول اللافتة المعلّقة على باب الحديقة. هناك، تزدحم صور الزهيري، مع صورة يتيمة لكامل أعضاء اللائحة، خلف الكراسي المرصوفة جنباً إلى جنب. في مكانٍ ليس ببعيد، وُضعت «الصاج» لزوم الضيافة. «تعمل» الصاج طوال ساعات اللقاء لتقديم منقوشة بلدية ساخنة لمن يريد من الناخبين المفترضين في الدائرة الثانية لبيروت. يقول الموظف في الموقف المجاور إنها «لفتة» من الشيخ وليست من ضمن عدّة الشغل في فترة الانتخابات. يأتي الكثير إلى هنا «كرمال اللقمة». لكن مع ذلك، لم تتغيّر الحال على موظّف الموقف «يعني ما تغيّر الشغل، لأن معظم اللي بيجوا مش (كلاس)». هم أبناء المدينة الفقراء الذين وجدوا أمامهم من يفتح باباً ولو لسماع شكاواهم. لا أكثر من ذلك.
في السادس من أيار، تفتح الحديقة أبوابها منذ الصباح الباكر. سينطلق «الشيخ» من هناك ليزور أقلام الاقتراع، وفي الليل سيعود إليها، منتظراً النتيجة. في صباح اليوم التالي، بغضّ النظر عما ستكون عليه النتيجة، سيعود موظفو «الشيخ» إلى ثيابهم الزرقاء المعتادة. وحده المعطّر سيبقي وجه الزهيري معلقاً على المرايا، ريثما تنفد الكمّية... في انتظار موسم انتخابي جديد، في عام 2022.