بدا التعب والإرهاق على رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في اليوم الأخير من جولته الشمالية التي امتدت لثلاثة أيام، زار فيها مدن وبلدات دائرتي الشمال الأولى (عكار) والثانية (طرابلس والمنية والضنية).

لا يختلف اثنان على أن سعد الحريري لا يزال يتقدم الآخرين «في شارعه». لكن من استمع إلى خطاباته الشمالية، في طرابلس، والقلمون، والضنية والمنية، وعكار، يدرك أن الرجل مأزوم. لا يملك سوى الكثير من العواطف والوجدانيات، وتكرار الوعود التي دأب على إطلاقها منذ عام 2005، مضيفاً إليها سلسلة جديدة من الوعود: وعود بزيارات جديدة للمنطقة؛ وعود بتشييد منازل له في عكار للإقامة فيها؛ وعود بالإنماء الذي يتّكل على المؤتمرات الدولية، وتحديداً «باريس 4»، لتحقيقه.

الميقاتيون يعدون بالردّ على زيارة الحريري في مهرجان في طرابلس غداً (دالاتي ونهرا)

الجولة غير المسبوقة لرئيس حكومة لبنان، كان لا بد منها لمواجهة شحّ المال والخدمات. لم يجد سبيلاً لذلك سوى نزوله شخصياً الى الشارع لشدّ العصب، وحثّ الناخبين على المشاركة بكثافة في السادس من أيار. جولة انتظرها الخصوم لمعرفة حجم الحريري قبل الأصدقاء والمرشحين. ويمكن القول إن منسّقي التيار والمحسوبين عليه من رؤساء بلديات ومخاتير وضعوا كل قواهم لتأمين الحشد المطلوب.
الماكينات الانتخابية للوائح المنافسة كانت تراقب ما يجري. ولعل أول من تحرك هو ماكينة الرئيس نجيب ميقاتي التي راحت تدقق في الحضور في كل محطة، وخاصة في الميناء ومنطقة باب الرمل الطرابلسية. ماذا يجري؟ كيف يمكن لمن يعلق صور ميقاتي أن ينثر الأرز والورود على الحريري؟ توعّد الميقاتيون بالردّ فور انتهاء «الزيارة الرئاسية»، فأعلنوا عن مهرجان حاشد في طرابلس يوم غد الثلاثاء.
الزيارة التي وصفت بالجيدة، لم تحمل أي مفاجآت على صعيد الخطاب السياسي. لا تصعيد، لكن تذكير بمسيرة الرئيس رفيق الحريري، والتصويب على ميقاتي المنافس الأول في الدائرة الثانية. وفي عكار خاطب الحريري «وجدان العكاريين الأوفياء»، عبر تكراره، مرة جديدة، الوعود نفسها التي قطعها منذ عام 2005، وأوّلها أنه سيعمل على رفع الحرمان عنهم.
أثار الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عن امتناع الحريري عن مصافحة منسّق التيار في الضنية نظيم الحايك بلبلة كبيرة، قبل أن يتضح أن الحريري ممتعض من أداء الأخير جراء المهرجان الناجح الذي أقيم لميقاتي قبل أيام في بلدة قرصيتا مسقط رأس الحايك.
الحريري لن يتساهل مع من يترك الساحة للآخرين، وتحديداً لميقاتي. في الضنية والمنية، كان سعيداً بمشهد المئات من المناصرين، فأعاد التذكير بأن «المنية مدينة الشهيد رفيق الحريري ستبقى وفية ولن تتبدل، والمنية لا يمكنها أن تطعن في الظهر»، في تلميح الى خروج النائب كاظم الخير من التيار الأزرق وتحالفه مع الرئيس ميقاتي، مؤكداً: «كنت أتمنى أن يجتمع الجميع تحت سقف المصلحة العامة، ونحن لا نقفل بيوتاً سياسية بل نفتح بيوتاً».
في دائرة الشمال الأولى (عكار)، بدا المشهد أقل حفاوة. ربما يعود السبب إلى تعدد الزيارات، حيث كانت للحريري 17 محطة أساسية، كما لم يوفر أي بلدة الا وتوقف فيها لالتقاط «سلفيات» وتبادل القبلات مع محبيه.
من على الحدود الشمالية مع سوريا، المنطقة المنكوبة التي دفعت ثمناً باهظاً جرّاء الحرب السورية، بدأ الحريري زيارته لمحافظة عكار. وبعد تأخير دام حوالى ساعتين عن الموعد المقرر، نزل الحريري محاطاً بالمرشحين محمد سليمان، وطارق المرعبي، وهادي حبيش وجان موسى، لمخاطبة جمهوره في منطقة جبل أكروم التي تضم سبع بلدات. بدت الجماهير أقل بكثير من التوقعات. اضطر النائب هادي حبيش إلى تذكير الحريري بأن هذه المنطقة أعطت المستقبل 90 في المئة في انتخابات عام 2009، فردّ الحريري بأنها «اليوم ستعطي 100 في المئة».
وفي منطقة وادي خالد، بدت الخلافات العشائرية ( بين العتيق والغنام) واضحة. تكفّل اتحاد البلديات المحسوب على مرشح العشائر العربية النائب السابق محمد يحيه (مرشح لائحة التيار الوطني الحر، «عكار القوية») بالمهرجان الذي نظّم في بلدة رجم حسين. وقاطع أبناء بلدة الهيشة والرامة (بلدة المرشح سليمان) المهرجان، لأنه أقيم لدى عشيرة العتيق، محمّلين المسؤولية إلى أنصار سليمان! ما جرى أشعل حرباً على مواقع التواصل الاجتماعي، فخرج نائب رئيس بلدية وادي خالد عصام الدوري مهدداً سليمان «بالمحاسبة في السادس من أيار بالصوت التفضيلي، لأن مرشح تيار المستقبل أثبت اليوم أنه مرشح الهيشة».
أما الحريري، فاختار ـــ على مسمع من ضباط وعناصر الجيش السوري المنتشرين بكثافة على الحدود ـــ أن يقول «إن هناك محاولات للسيطرة على قرار عكار من قبل اللوائح المنافسة لإعادتنا الى عهد الوصاية السورية، الى قصر المتاجرين، وهذا ما سوف تدحضوه في السادس من أيار». ووعد بحل مشكلة بعض أبناء وادي خالد، الذين لم يحصلوا على الجنسية عام 1994.
في بلدة القبيات المارونية، فشل المرشح هادي حبيش في تأمين حشود شعبية بسبب المنافسة القوية التي يتعرض لها من قبل مرشح التيار الوطني الحر على لائحة «عكار القوية»، جيمي جبور، فاستعان بأنصار «المستقبل» من البلدات المجاورة. وبالرغم من وجود محازبين ومؤيدين للقوات في القبيات، إلا أنهم غابوا أيضاً عن المشاركة في الاحتفال، واقتصر الأمر على حضورهم الى جانب المرشح وهبي قاطيشا في بلدته شدرا.
لا محاذير في زيارة الرئيس الحريري. تم إحياء أغاني وشعارات عام 2005، التي رقص على أنغامها عدد من النساء والأطفال في ساحة حلبا لساعات بانتظار وصول الرئيس الحريري. بدا الحضور ضعيفاً للغاية. غابت فاعليات حلبا، ما دفع برئيس البلدية عبد الحميد الحلبي إلى حثّ الجماهير على المشاركة لالتقاط السلفي مع الحريري.
معين المرعبي يقاطع: لا يمكنني أن أمضي بخيارات الحريري ولا يمكنني محاربته


المشهد بدا أكثر حفاوة في بلدة جبرايل (بلدة مرشح المقعد الأرثوذكسي جان موسى) وباقي بلدات الجومة، حيث احتشد الأهالي على الطرق العامة لاستقبال الحريري استقبال الفاتح لمناطق عكار التي لم تعرف يوماً اهتماماً حكومياً بها.
غاب النائب والوزير معين المرعبي عن استقبال الحريري في بلدته البرج. «الوفي»، كما يسميه الحريري، أعطى تعليماته لمناصريه ولبلدية البرج المحسوبة عليه بالقيام بما يليق بالضيف، ورحّب به على صفحته على فايسبوك. قبل مغادرته لبنان، حيث عُلم أنه لن يعود الا بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، قال المرعبي: «لا يمكنني أن أمضي بخيارات الحريري وفي الوقت نفسه لا يمكنني محاربته أو التصويت ضده»، لهذا أختار المقاطعة.
في بلدة عكار العتيقة، حاول الحريري مراضاة الأهالي والمجلس البلدي، المعترضين على اختيار وليد البعريني مرشحاً على لائحة «المستقبل». فعكار العتيقة لا تصوّت لمرشح من بلدة فنيدق بسبب الخلاف على منطقة القموعة، وهم كانوا تلقّوا وعداً بعدم ترشيح أحد من فنيدق ما دامت عكار العتيقة غير ممثلة.

جرد القيطع قلب المقاييس
لم يكن الحريري متحمّساً خلال جولته العكارية. لكن المشهد سرعان ما انقلب رأساً على عقب خلال مشاهدته الزحف البشري في بلدات جرد القيطع، وتحديداً فنيدق ومشمش (مسقط رأس المرشح وليد البعريني)، وعرين رئيس الاتحاد عبد الإله زكريا الذي رشّحه الحريري ثم طلب منه الانسحاب. نجح زكريا في تنظيم المهرجان الضخم. صعد الحريري الى المسرح في مدرسة فنيدق الرسمية المختلطة، الحشود أكبر بكثير ممّا توقع. حيّا شهداءها الذين سقطوا في معركة عرسال: «أنتم ستقلبون الموازين في السادس من أيار». الواقع نفسه انسحب على بلدة مشمش. الآلاف نزلوا لملاقاة الحريري الذي نسي نفسه. شعر بنشوة الانتصار، واسترسل في التقاط «السلفيات» مع مناصريه، صغاراً وكباراً. ومن مشمش استكمل الحريري جولته ليلاً. حال اشتباك مسلّح في برقايل (أدى إلى سقوط جريحين) دون إقامة احتفال حاشد لاستقبال رئيس الحكومة. أما في سهل عكار، فأقيم احتفال حاشد في منطقة القليعات استمر إلى ما بعد منتصف الليل، ليتحوّل ختام الجولة الشمالية من عشاء إلى «سحور» في أحد مطاعم حلبا.