بعد انتهاء العملية الانتخابية في الدول العربية الستّ، حيث اقترع المغتربون اللبنانيون يوم الجمعة، خَرَج دبلوماسيون وسياسيون مُبشّرين بأنّ نسبة الاقتراع في الدول الأوروبية والأميركية والأفريقية ستكون مرتفعة جداً. راهنوا على ذلك لسببين: أولاً، العمل السياسي المُتطور في هذه الدول، وهامش الحركة الأكبر المُعطى لمعظم الأحزاب السياسية والماكينات الانتخابية، على العكس من الدول العربية والخليجية. وثانياً، لوجود نسبة كبيرة من اللبنانيين المُسجلين بلغت الـ70355، وخُصّص لهم 200 قلم و108 مراكز اقتراع. أستراليا أقفلت، أمس، على نسبة 55 في المئة. النسبة الأكبر من هؤلاء، ينتمون إلى قضائي زغرتا وبشرّي. أما القارة الأوروبية، فنسبة المشاركة فيها لم تصل إلى 60 في المئة. وبحسب وتيرة التصويت حتى منتصف الليل (بتوقيت بيروت) في الأميركيتين، لم يكن متوقعاً ان تتجاوز النسبة عتبة الـ65 في المئة. وحدها بعض الدول الافريقية (كنيجيريا وساحل العاج) سجّلت نسبة اقتراع فاقت السبعين في المئة!

الأرقام دليلٌ على أنّ نسبة لا بأس بها من المغتربين اللبنانيين الذين سجّلوا أسماءهم مسبقاً للمشاركة في الانتخابات، قررت العزوف عن التصويت. بعضهم لم يكن مُستعداً لبذل مجهودٍ إضافي، كأن يقطعوا مئات الكيلومترات في نهار عطلة، للمشاركة في العملية التي تُنظّم للمرّة الأولى منذ الاستقلال. وهو أيضاً مؤشّر على ضعف الماكينات الحزبية، ووجود علّة في التواصل مع الناخبين لحثّهم على الاقتراع. وكان قد سبق الانتخاب، عدم تمكّن الأحزاب من إقناع عدد كبير من مناصريها في الخارج، بتسجيل أسمائهم.
صحيحٌ أنّ إقرار قانون اقتراع المغتربين، يُعدّ خطوة على الطريق الصحيح بعد سنوات من حرمانهم من حقّهم. ولكن، لا يُمكن اعتبار النسبة المُتدنية إنجازاً. تقول مصادر دبلوماسية إنّ اللبناني «الذي قرّر تسجيل اسمه، كان يُدرك مُسبقاً أنّ عليه الانتقال إلى مُدنٍ أخرى لممارسة حقّه، وعلى رغم ذلك تسجّل». إلا أنّ عدداً من المغتربين «راهن على أن تُفتح أقلام اقتراع خارج البعثات، وقريبة من مُدنهم». تتعدّد الأسباب لتدنّي النسبة، «كالأشخاص الذين تسجلوا في تشرين الثاني، وطرأت عليهم ظروفٌ غيّرت مخططاتهم ليوم 29 نيسان 2018». أو آخرون قرروا المشاركة في الانتخابات «ثمّ لم تكن هناك متابعة معهم من قِبَل الماكينات الحزبية، لجهة تقديم التحفيزات والتسهيلات المادية للاقتراع». وهناك سؤال أيضاً يُطرح، وقد يكون أفضى إلى نسبة الاقتراع المُتدنية: هل عَمدت بعض الأحزاب والشخصيات السياسية إلى تسجيل أشخاصٍ، من دون أخذ موافقتهم مُسبقاً، ما أدّى إلى رفع نسبة المُسجلين في شكلٍ قياسي في الساعات الأخيرة قبل انتهاء المهلة؟ كتلك السيدة الكسروانية، التي اكتشفت صدفةً أنّ اسمها حُذف عن لوائح الشطب في لبنان، لأنّها مُسجلّة في فرنسا، وهي لم تُسافر مرّة واحدة في حياتها؟

كان مندوبو القوات في برلين يُصورون مناصري حركة أمل وحزب الله بعد تصويتهم


يوم الانتخابات للمغتربين في أوروبا وأميركا وأفريقيا، كان صعباً ومُتعباً. بدأ منتصف ليل السبت/ الأحد، ولن ينتهي قبل الثامنة من صباح اليوم. كانت هناك ساعة مشتركة واحدة بين كلّ الأقلام، بين الثانية والثالثة بعد الظهر (بتوقيت بيروت). بقي فريق العمل في قصر بسترس مُتأهباً، يتناوب الإداريون والدبلوماسيون على الحضور، إضافةً إلى هيئة الإشراف على الانتخابات والجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات (LADE)، وبعثة الاتحاد الأوروبي. حَرِص هؤلاء على إظهار «الوجه الحَسن» لانتخابات المغتربين، مع وجود توجّه دولي لذلك. وطالما أنّ المناخ السياسي المحلّي «يُناسب» الأوروبيين، لن يصدر عن بعثة المراقبة سوى كلام عن «رصد اهتمام اللبنانيين الذين قدّموا مثالاً مهماً بالديموقراطية... تقييمنا إيجابي جداً حتى الآن». طلبت وزارة الخارجية سماع الملاحظات من الوفد الأوروبي، «كونها المرّة الأولى التي نُنظم فيها هذه الانتخابات». فلم يكن لدى الأوروبيين من ملاحظة لتوجيهها سوى أنّها كانت «ولادة قيصرية لقانون اقتراع المغتربين».
خُصّص مكتبان في قصر بسترس الأثري لمتابعة الـ200 قلم و108 مراكز اقتراع، الذين أُرسل إليهم قرابة الـ20 دبلوماسي من بيروت لمؤازرة زملائهم في البعثات حيث تدعو الحاجة. الأول، هو غرفة العمليات بقيادة مدير الشؤون الاقتصادية بلال قبلان. والمكتب الثاني، فيه طلاب من الجامعة اليسوعية وموظفون في «الخارجية»، يتلقون أعداد المُقترعين، حيث يُصار إلى جمعها قبل إعلانها.
من الثغرات التي سُجلّت أمس، تصوير مندوبين للقوات اللبنانية الناخبين داخل قلم اقتراع في برلين بعد إدلائهم بأصواتهم. عُدّ هذا الأمر ممارسة ضغوط على المقترعين، لا سيّما محازبي حركة أمل وحزب الله. لم يعرف أحدٌ الغاية من تصوير الأشخاص، ولأي هدف كانت ستُستخدم الصور، وإن كانت ستؤثر في مستقبل المغتربين الموالين للمقاومة. بعد عددٍ من الاتصالات قام بها بلال قبلان، أصدر تعميماً بإعطاء الأوامر إلى جميع رؤساء الأقلام «بالسماح لمندوبي المرشحين بتصوير الناخب بعيداً من العازل، بعد أخذ إذنه، شرط أن تكون الصورة خلفية من دون إظهار وجهه إلا إذا وافق الناخب. وأن لا تكون الكاميرا ثابتة وذلك تحاشياً لأي تأثير معنوي على الناخبين». في أبيدجان، تم اكتشاف أنّ عدداً من اللوائح أُرسلت إلى بلد آخر، قبل أن يُستدرك الأمر. البعض اكتشف أنّ اسمه لم يرد ضمن القوائم في واشنطن. وفي ألمانيا، اشتكت جمعية المشاريع الخيرية من أنّ أسماء قسمٍ من مُناصريها نُقلوا من برلين، من دون إبلاغهم بالأمر. الحالة نفسها حصلت مع ناخبين آخرين محسوبين على حركة أمل وحزب الله. وقد برّره الوزير نهاد المشنوق بأنّ «هذه الأسماء تبيّن أنّها مُسجلة من دون عناوين دقيقة، فتمّ تسجيلهم في العاصمة برلين». في ألمانيا أيضاً، أُرسل صندوق ديسندوف إلى بريمن، وبريمن إلى ديسندوف، لكن سُرعان ما عولجت المشكلة.
صرّح العديد من الناس بأنّ أسماءهم لم ترد ضمن القوائم الانتخابيّة، ما اعتبروه استهدافاً مقصوداً من «الخارجية» و «الداخلية». إلا أنّ مستشارة رئيس الحكومة سعد الحريري لشؤون تطوير الإدارة، ومستشارة وزارة الداخلية، لينا عويدات تقول إنّ «الكثير من الافتراء حصل في اليومين الماضيين. من لم يرد اسمه، تكون لديه مشكلة في الأحوال الشخصية». لليوم الثاني من انتخابات المغتربين، كان هناك توجّه لدى السلطات المعنية إلى تظهير «الإنجاز» منها. الوزير نهاد المشنوق تولّى أمس، من منبر «الخارجية» الهجوم على «الغبرة المُثارة بسبب كرسي وضو وورقة. بعض الأخطاء الصغيرة عولجت (كأن لا يصل 400 باسبور من أصل 6000 إلى أصحابها)، وهذا إنجاز لم يسبق للإدارة أو القطاع الخاص أن حقّقه». انتخابات المغتربين، التي أُقرّت في مجلس النواب، بموافقة الجميع، وأوكل إلى وزارتَي الخارجية والداخلية تنفيذها، طلب المشنوق أن «لا يدّعي أحد أُبوتها غير الذين عملوا عليها في الخارجية والداخلية».