ثلاثة أمور ميّزت قضاء الكورة سابقاً: المساحات الخضراء الشاسعة، ولا سيّما بساتين الزيتون. نسبة التعليم المُرتفعة، والعمل السياسي المتطور. الولاء، سياسياً، للحزب السوري القومي الاجتماعي. مع مرور السنين، بدأ وهج «العلامات الفارقة» يضعف تباعاً. «الكورة الخضراء» أصبحت بيضاء، مع جشع المقالع والكسّارات العاملة لمصلحة شركات الاسمنت. وتصنيف العديد من بساتين الزيتون مناطق صناعية. ثانياً، صحيحٌ أنّ القضاء الشمالي لا يزال إحدى أكثر المناطق «علماً» وتسييساً، ولكن مع الانفتاح والتطور، لم يعد ذلك حُكراً عليه. أمّا الخريطة السياسية، فيُمكن القول إنّه منذ نهاية الحرب الأهلية، بات هناك من يُنافس «الزوبعة الحمراء».

أصبحت الكورة ساحةً يتقاسم ملعبها القوات اللبنانية وتيار المردة والتيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل. فضلاً عن «الزعامات» المحلية كآل غصن، بفرعيهما: النائب «نقولا بك غصن بك» والوزير السابق فايز غصن. هناك أيضاً شخصيات سياسية تحولّت إلى «مرجعية»، كنائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري. الخرق الوحيد بين أركان السلطة، حقّقه فدوى ناصيف وبسام غنطوس، مُرشحا تجمّع «وطني». كلّ هؤلاء، يتحضرون في السادس من أيّار لخوض معركةٍ في الكورة.
الصراع الداخلي بين «الحلفاء» على اللائحة الواحدة، بارزٌ في هذا القضاء، ولا سيّما بين فايز غصن (تيار المردة) وسليم سعادة (الحزب القومي). وبين نقولا غصن (تيار المستقبل ــ فريد مكاري) وجورج عطاالله (التيار الوطني الحرّ). في حين أنّ القوات اللبنانية «بالها مرتاح» من هذه الناحية، لعدم وجود «عدالة» في المنافسة بين مُرشحها فادي كرم والمُرشحَين ألبير أندراوس (الكتائب اللبنانية) وجورج منصور (اليسار الديموقراطي). ويُفترض أن يكون مقعد «القوات» محسوماً.
في ظلّ انتفاء الخطاب السياسي، تخوض كلّ القوى معركة إثبات وجودها. القوات اللبنانية، مثالٌ على ذلك. ويُضاف عنوانٌ آخر إلى معركتها: إنهاء قصّة أنّ «القوات في الكورة تفوز بأصوات حلفائها»، وفق مُنسّق حزب القوات في الكورة رشاد نقولا. هي التجربة الانتخابية الأولى لقيادة معراب، بعيداً عن فريد مكاري وتيار المستقبل. يصعب تحديد توجّه القاعدة المُشتركة للحلفاء القدامى، إلا أنّ نقولا يقول إنّ «كلّ واحد منّا يُحاول أن يتوجّه إلى الجمهور، في 7 أيّار نرى النتيجة». تبدو القوات اللبنانية في الكورة كمن وضع يديه في مياهٍ باردة. هناك ارتياح و«نعمل الآن على الرأي العام الذي لم يحسم قراره بعد ونسبته ما بين الـ 15 والـ 20%». يجزم نقولا أنّ أكثر من نصف المُترددين «سيكونون معنا. وهناك الكثير من المثقفين العونيين، الذين يتصلون بنا مُعلنين دعمهم لأنّهم يقولون إنّ خطاب التيار الوطني الحرّ تغيّر».
مُقابل الارتياح القواتي، هناك من يتحدّث عن «عثرات» موضوعة على الدرب أمام فادي كرم، تتعلّق بالانتخابات البلدية الأخيرة، ولا سيّما في البلدات ذات الطابع الماروني، الأمر الذي سمح لقياديين من الحزب القومي بـ«التسلّل»، ومحاولة إقناع المجموعات الصغيرة بتبديل خياراتها النيابية. وتذكر المصادر بعض الحالات «الحردانة» من كرم، وإحداها تقربت من الوزير جبران باسيل، أو فايز غصن، وهناك من سيقترع للائحة القوات من دون منح صوت تفضيلي لكرم. ولكن على الرغم من هذه الحالات، «غالباً ما تتمكّن القوات من ضبط الاعتراض»، تقول المصادر. يردّ مُنسّق القوات بنفي وجود أي مشاكل نتيجة الانتخابات البلدية.

يقول مُنسّق «القوات» إنّ حديث «التيار» عن رشى انتخابية «مردود إلى أصحابه»


العونيون يتهمون «القوات» بـ«استغلال وزارة الصحّة خدماتياً، كتوقيع عقود سنوية لـ 5 موظفين في مكتب الصحة في أميون». يوضح نقولا أنّ ذلك حصل «قبل عام، حين كانت وزارة الصحة بحاجة إلى 35 مُراقباً في كلّ لبنان، وكانت هناك خمسة مراكز شاغرة في الكورة. توظّف هؤلاء وفق الأصول. ولكن أنا أسأل التيار عن الـ 75 وظيفة في كهرباء قاديشا ووظائف غبّ الطلب في أوجيرو». الكلام عن استخدام مؤسسات الدولة في الانتخابات، من قبل «التيار»، تردده أيضاً أوساط تيار المردة. «وعودٌ كثيرة بالوظائف، كأنّنا بعد الانتخابات سنكون في المدينة الفاضلة، لو تحقّقت كلها»، يقول فايز غصن. ولكن «شائعات» الرشى تطال أيضاً اللائحة التي يدعمها «المردة»، وتتعلّق تحديداً بالمُرشح عبدالله الزاخم، إلا أنّ غصن ينفي ذلك.
يعود تيار المردة إلى الكورة بعدما كان سابقاً يُركّز جهوده على دعم الحزب القومي. بحسب غصن: «الناس تتجاوب معنا». يُعيد وزير الدفاع السابق السبب إلى أنّه «موجود دائماً في المنطقة، وبيتنا مفتوح للخدمة العامة». ساعده ذلك في إعادة شدّ العصب حوله، مُستفيداً من الجولات المُكثفة لطوني سليمان فرنجية إلى الكورة. لكنّه عرضةً لممارسات مصدرها قوميون سوريون، يعملون على استمالة مُناصرين له، من خلال الترويج أنّ «غصن سيخسر، لذلك امنحوا صوتكم التفضيلي لسليم سعادة». يقول وزير الدفاع السابق إنّ «هذه المواقف لا تُعبّر عن الموقف القومي الرسمي، ولا تؤثر على بنية التحالف»، مؤكداً «سليم وأنا شخصٌ واحد». ماذا إذا خسرت؟ «المهم أن أنال نتيجة ترضيني».
على الجانب «القومي»، يوجد أيضاً اتهامات لـ«المردة» بالتواصل مع ناخبين مُقربين من الحزب القومي، لمحاولة إقناعهم بإعطاء الصوت التفضيلي لغصن «بحجّة أنّ سليم سعادة ضمن مقعده». المصادر القومية تقول إنّ «المردة يعمل بشكل جدّي لمصلحة غصن، الذي سيستفيد أيضاً من قرابة 300 صوت يمون عليهم الوزير السابق فيصل كرامي، فضلاً عن بعض الشخصيات الأساسية التي كانت تدعمنا». دفع ذلك سعادة إلى «أن يُصبح حذراً ويتعامل مع المعركة بجدّية، من خلال تعزيز نشاطه الانتخابي». تعتبر المصادر القومية أنّ «وضعنا تحسّن في الأسبوعين الأخيرين، نتيجة رصّ صفوف الحزب، وحضورنا الثابت في القرى والبلدات الكورانية».
الحديث يدور في الكورة عن معركة «نجومها»: فادي كرم، سليم سعادة، فايز غصن، نقولا غصن وجورج عطاالله. الخصوم والحلفاء، يُجمعون أنّ عطاالله «يقوم بحركة استثنائية في الكورة، ولا سيّما بين الشباب». يعمل عطاالله على جذب فئة المُترددين، «والماكينة الانتخابية تُتابع شدّ العصب الحزبي» بحسب مصادر عونية. هدف التيار الحرّ «إعادة الكورة إلى موقعها الطبيعي، إنمائياً وسياسياً». لكنّ عطاالله قد يكون «ضحية» وجود نقولا غصن على اللائحة. يقول الأخير لمن يتواصل معه في الكورة: «نسّقوا مع فريد (مكاري)». فالنائب الذي «ورث» قاعدة شعبية عن والده، سلّم أمره هذه الدورة لمكاري، الذي يعتبرها معركته الشخصية. مصادر سياسيّة في القضاء، تقول إنّ مكاري يهمّه «أن يتبنّى أُبوّة هذا المقعد، لتبقى له حصّة سياسية في الكورة». حاول أن يجمع مناصريه وبعض الحزبيين القواتيين لإقناعهم بالاقتراع لغصن، «لكن الأكيد أنّ قدرة مكاري التجييرية ستتراجع طالما أنّه ليس هو المُرشح»، وخصوصاً بعدما «تيقن بأن منصب نائب رئيس مجلس النواب، بعد هذه الانتخابات سيقرره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وليس سعد الحريري».