لسعد الحريري معركة شخصية مع عبد الرحيم مراد. ليس المهم عدد النواب الذي ستحصل عليه لائحة «المستقبل». الأولوية لهزيمة مراد. ولهذا حقق أحمد الحريري رقماً قياسياً في زياراته إلى المنطقة. يكاد يقيم هناك، ويكاد يكون هو المرشح لا زياد القادري ومحمد القرعاوي. ربما المرشح الفعلي هو سعد الحريري نفسه.

أولوية هزيمة مراد تطغى على بديهية تحصيل الرقم الأعلى من عدد النواب. كان يمكن تيار المستقبل أن يستغل النقص الحاصل في لائحة الغد الأفضل لتحصيل نائب إضافي، بغض النظر عن عدد الحواصل الذي يناله، لكنه لم يفعل. حسبة من هذا النوع، تعني التسليم بفوز مراد، وهذا ليس وارداً في قاموس الحريري. في الأساس، لم تكن المعركة لتحصل لو وافق على ائتلاف يضم مراد، سبق أن سعى إليه «الاشتراكي» وائل أبو فاعور. وصل الحريري إلى الموافقة على إيلي الفرزلي لكنه رفض مراد. الحجة نفسها تبادلها الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل. الأول، رفض الفرزلي لأنه من أتباع سوريا، والثاني رفض مراد لأنه من أتباع سوريا.

معركة رئاسة الحكومة
لكن ما هو سبب الفيتو الحريري على مراد؟ ليست الإجابة صعبة. مراد مرشح دائم لرئاسة الحكومة، تماماً كما نجيب ميقاتي. وهذان الشخصان خرجا من العباءة الحريرية ولا يمكن الاطمئنان إليهما.
منذ خريف عام 1992، تم «تطويب» رئاسة الحكومة للحريرية السياسية. كل من حاول دخول «النادي»، صُوّر على أنه مغتصب سلطة. هذا ما حصل مع الرئيس سليم الحص في عام 1998 ومع الرئيس عمر كرامي في عام 2004، ثم مع الرئيس نجيب ميقاتي في عام 2011 (اقتصر دور حكومته في عام 2005 على إجراء الانتخابات بموجب قرار دولي إقليمي). الرئيسان فؤاد السنيورة وتمّام سلام ظلا بعيدين عن «اللائحة السوداء». الأول، هو أب الحريرية بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، والثاني، عرف دوره وأداه بإتقان إلى حين «سلّم الأمانة» لسعد.
عبد الرحيم مراد لم يصل إلى رئاسة الحكومة، لكن الفرصة كانت متاحة أمامه في عام 2005، عندما سماه 54 نائباً، قبل أن يؤول المنصب إلى ميقاتي. بعد ذلك ظل اسمه مستفزاً للحريري. لكن كان يمكن للعداء أن ينتهي، لو تلقف الحريري اليد الممدودة إليه من غريمه. منذ سنتين، زاره مراد في بيته في بيروت وتولى ترتبيات «الصلحة» نهاد المشنوق. كان اللقاء فاتحة مرحلة جديدة بين الرجلين. هكذا ظن مراد... ومن رتب زيارة الأخير إلى السعودية. لكن سرعان ما تبين أن الصورة التي جمعت «العدوين» ليست سوى تعبير عن رغبة سعودية غير موجودة في بيروت. هذا يمكن أن يثير ريبة الحريري أكثر. لا يفترض بالنسبة إليه أن تمر العلاقة السعودية بلبنان أو علاقة أي لبناني بالسعودية، إلا عبره. ولم يكن كافياً أن يكون الأول بين أصدقاء المملكة. في افتتاح جادة الملك سلمان في الواجهة البحرية للعاصمة، ثبّت القائم بالأعمال السعودي وليد البخاري العلاقة مع خصوم الحريري، وإن من باب البروتوكول، فدعا ميقاتي كما مراد، الذي التقى حمد الشامسي على هامش هذه المناسبة.
لا يبدو مراد منزعجاً من التصرف الحريري. بالنسبة إليه، ارتد اللقاء الذي جمعهم إيجاباً عليه، إذ أدرك الناس أنه أراد أن يكسر الجليد مع رئيس الحكومة، إلا أن الأخير لم يردّ على المبادرة بمثلها. وها هو بعد استقباله يعود ويتهّمه بأنه من أزلام الوصاية، واصفاً إياه بـ «الديناصور».
وإذا كان التخويف من «لائحة بشار الأسد» لم يعد يجد من يتلقفه من بين الناخبين، كما حصل في 2005 و2009، فإن استغلال دماء الشهيد رفيق الحريري، يبقى العنصر الأكثر قدرة على التأثير في أهل المنطقة. ولذلك لم يتردد الحريري الابن باتهام المنافسين بأنهم يسيئون لرفيق الحريري، وبالتالي يجب التصدي لهم في صندوق الاقتراع. كما لم يكن صعباً على ابن عمته أحمد الحريري القول إن «كرامة البقاع الغربي وراشيا لا يشرّفها لائحة مرشدها حسن نصر الله وراعيها بشار الأسد»!.

انتهى زمن «البعبع» السوري
أين بشار الأسد من الانتخابات؟ وكم يبلغ عدد المرشحين الذين ظلوا أوفياء للنظام السوري إلى حين إعلان ترشيحهم على لوائح المستقبل؟ ربما محمد القرعاوي كان أكثر من وجهت إليه السهام على خلفية نقله البارودة من كتف إلى كتف.
كل ذلك يعبّر عن أمر وحيد: لا خطاب سياسياً يقدمه تيار المستقبل للناخبين. هذا أمر واقع يشعر به أهل البقاع الغربي، كما غيره من المناطق. ولذلك لم يعد يملك سوى بث الرعب في النفوس من الآخر، الذي يصدف أنه شريك الحريري في الحكومة. ليس هنالك من يحاسب الحريري على تقلب مواقفه أو على عدم مصارحته اللبنانيين عموماً (بصفته رئيساً للحكومة) أو مؤيديه خصوصاً، بحقيقة ما جرى معه في السعودية، لكنه يعطي الحق لنفسه بمحاكمة من يخالفه الرأي.
الملاحظ، أن حالة التأييد للحريري تتصاعد منذ احتجازه في الرياض في تشرين الثاني الماضي. أهل منطقة البقاع الغربي عاطفيون، وحضور الحريري بينهم باستمرار يلهب حماستهم. لذلك، قرر أن يعود مجدداً إلى المنطقة قبل يوم الانتخابات. مع ذلك، فإن مراد يخرق حصوناً كانت محظورة عليه في الانتخابات الماضية. لا أبواب موصدة بوجهه حتى من الخصوم. أنصاره يتوقعون أن يحصل على المرتبة الأولى، بسبب توزيع تيار المستقبل أصواته بين مرشحين اثنين. المعادلة بسيطة: حصل مراد في عام 2009 على 30 في المئة من عدد الأصوات السنية. هذه قاعدة الانطلاق بالنسبة له (خصومه يؤكدون أن هذه النسبة ستتراجع بعد حسم أصوات القرعاوي، الذي كان متحالفاً معه وقتذاك). ماكينة «الغد الأفضل» (مراد) تفترض أنه لو ارتفعت هذه النسبة خمسة في المئة، واحتسبت الأصوات السنية التي يملكها حلفاؤه في اللائحة، فإن ذلك يعني أن مرشحي تيار المستقبل سيتقاسمان الـ60 في المئة المتبقية.

ثلاثة مقاعد لكل لائحة
تشير تقديرات ماكينات «حزب الله» و«أمل» إلى أن لائحة «الغد الأفضل» تملك 2.6 حاصل. هذا يتطابق مع كل التوقعات التي كانت تشير إلى أن المقاعد الستة ستذهب مناصفة إلى كل من «الغد الأفضل» و«المستقبل للبقاع الغربي»، لكن الكسر الأعلى المتدني لا يسمح للائحة مراد بالاسترخاء، ففي حال خابت التوقعات أو تحسن وضع المستقبل، تتحول النتيجة إلى 4 ــــ 2. لائحة المجتمع المدني، تبدو حاضرة في المشهد الانتخابي بقوة. أسماء مرشحيها كما صورهم لم تعد مجهولة بالنسبة لأهل المنطقة. لكن كل الإحصاءات تشير إلى أنه لن يكون بإمكانها تأمين الحاصل الانتخابي المقدر بـ12 ألف صوت.
يبتسم زياد القادري عندما يسمع بالمناصفة. يؤكد أن الحواصل الأربعة مضمونة للائحته، فيما العمل جار لتأمين الخامس. حتى وفق هذه الحسبة، فإن المستقبل يسلّم أن الخاسر سيكون أمين وهبي مقابل محمد نصر الله (المقعد الشيعي)، لكن اليأس لم يتسلل إلى قلب وهبي، الذي يدعو في شعاراته إلى انتخاب الأفضل. ضمان نصرالله للمقعد النيابي لم يجعله يسترخي. برنامج مكثف للجولات وضع بإتقان، وبتنسيق تام بين أمل وحزب الله. والأولوية تبقى لرفع نسبة التصويت عند الطائفة الشيعية.
وحده إيلي الفرزلي لم يتغير. ليست الصورة جزءاً من عدة الشغل الانتخابية. في غابة الصور التي تملأ بلدات الدائرة يصعب إيجاد صورة له. حتى حركته محدودة، إذ يكتفي ببعض المهرجانات وعقد لقاءات مدروسة مع بعض المفاتيح الانتخابية.
مع ذلك، يُتوقع أن ينال الفرزلي نصف الأصوات المسيحية. تلك الأصوات في حساب الـ3-3 تجعله فائزاً حكماً، إلى جانب مراد ونصر الله، فيما يكون الفائزون من اللائحة المقابلة هم زياد القادري ووائل أبو فاعور وهنري شديد. نجاح شديد سينهي تاريخاً من الترشح بفوز لن يكون الأول، إذ سبق له أن نجح في عام 1996، قبل أن يطعن روبير غانم، بشرعية انتخابه، فتؤول النيابة إلى الأخير. أما في حال نجاح تيار المستقبل بالحصول على أربعة حواصل، فهذا يعني أن واحداً سيخسر من اللائحة الثانية، هل هو مراد أم الفرزلي؟ كل الاحتمالات ستكون واردة عندها، وترتبط بحسابات الصوت التفضيلي وتوزيعه الطائفي.
ينتقي الفرزلي كلماته بعناية عند الحديث عن الصوت التفضيلي الطائفي: ليس الصوت التفضيلي طائفياً، إنما هو يفضح الواقع الطائفي. ذلك يعيده إلى القانون الأرثوذكسي، الذي لطالما اعتبره قادراً على تفكيك هذا الواقع من داخل الطوائف. فهل تكون معركة القانون الانتخابي أولى المعارك النيابية للفرزلي في مجلس 2018؟ على الأرجح ستكون معركة الجميع.



سلاح المال والمغتربين
ليس التجييش هو السلاح الوحيد في معركة البقاع الغربي وراشيا. الأموال عنصر مهم وفعّال في منطقة يزداد فيها الفقراء فقراً. دفع الأموال حاضر من قبل الطرفين: «المستقبل» وعبد الرحيم مراد متورطان وإن في شكل غير مباشر. المفاوضات تتم أحياناً في العلن. والوسيط حاضر دائماً لجلب رب عائلة محتاج إلى أحد المكاتب الانتخابية. في المكتب الانتخابي المركزي لإحدى اللائحتين، ينتظر كثر لقاء مسؤول المكتب. ليست المطالب كبيرة. طلب الرجل الخمسيني «بون بنزين وكارت تشريج». رفض القيّم على المكتب طلبه. رد عليه الأخير: صارلي أسبوع بجي طيب اعطيني كارت تشريج فقط.
الفقر والحاجة يستغلهما المرشحون في شعاراتهم. بين أبو الفقراء ورجل العطاء وراعي اليتيم... يتوزع الحريري ومراد الألقاب.
استقدام المسافرين جارٍ على قدم وساق أيضاً، لكنه لم يصل إلى الظاهرة التي شهدها عام 2009. هذا العام، برزت ظاهرة التمويل غير المباشر. ليس واضحاً إن كان المستقبل أو مراد يموّلان استقدام المغتربين، بالرغم من أن كل طرف يؤكد أن الآخر يفعل، لكن الأكيد أن متمولين محسوبين على الطرفين يقومان بالواجب. في القرعون ولالا مثلاً، ثمة حماسة ظاهرة للقرعاوي تترجم بتبرع بعض رجال الأعمال بعدد محدد من تذاكر السفر. مع ذلك، تؤكد مصادر متابعة أن الصوت الاغترابي لن يتعدى المئات في كل الأحوال.
طرأ يوم الأحد طارئ. تردد أنه تم تجميد الطلبات الخاصة بالمغتربين المؤيدين للمستقبل لأسباب مادية. يوضح مسؤول في ماكينة «المستقبل للبقاع الغربي» أن التجميد اقتضر على يوم واحد (يوم اقتراع المغتربين) لأن بعض المغتربين امتعض من التمييز: كيف تدفعون تذكرة طائرة وألف دولار لمن يريد السفر إلى لبنان للانتخاب، فيما تستثنون من سجّلوا أسماءهم للاقتراع في الخارج من التقديمات؟
الانتخابات في الخارج انتهت. وعليه، بدأ المسافرون منذ الاثنين بالوصول إلى لبنان، على أن تستمر الوتيرة نفسها إلى موعد الانتخابات.