في أول الطريق المؤدي إلى بلدات بنت جبيل من ناحية النبطية، ترتفع لافتة شكر للصندوق الكويتي للتنمية الذي موّل تعبيد وتأهيل طريق وادي الحجير. في الوادي الذي أعلن محمية، الالتزام ليس تاماً بحمايته. بضعة مطاعم ومقاه ومسابح عند جانبي الطريق. في آخره عند سفح شقراء وميس الجبل وحولا، تنقلب الأحراج الخضراء إلى مرامل وكسارات. جبال على الجانبين أكلتها أسنان الجرافات أو دمرتها المقالع، منها ما مر عليه الزمن ومنها لا يزال قيد التشغيل. إلى جانب المرامل، افتتح مجلس الجنوب، قبل عامين، محطة لضخ المياه الجوفية تستفيد منها بعض بلدات بنت جبيل التي لا تزال تعاني من نقص في مياه الري والاستخدام المنزلي في فصل الصيف. بين حقول التبغ، شق المجلس طريقاً مختصرة بين الوادي وخراج ميس الجبل توصل إلى مستشفى ميس الجبل الحكومي الذي ساهم الصندوق الكويتي في تشييده وتجهيزه بعد تحرير الجنوب عام 2000. الطريق الفرعية تقود إلى الطريق الدولية التي تمتد على طول الحدود الجنوبية من الناقورة إلى البقاع الغربي. لافتة صفراء ترتفع شاكرة الهيئة الإيرانية لإعمار لبنان التي نفذت الطريق بعد عدوان تموز 2006. نحو مدينة بنت جبيل، تتزاحم لافتات الشكر. لقطر التي أعادت بناء بنت جبيل وعيناثا ودور العبادة فيهما بعد العدوان. للصندوق الكويتي الذي نفذ شبكات مياه وصرف صحي ودعم مستشفى تبنين الحكومي وشيد المركز الحضري في كونين ومركز الدفاع المدني والإطفاء في برعشيت وأعاد إعمار بلدة حانين. للسعودية حصة من الشكر لتشييدها مركزاً ثقافياً في شقراء. لإيران في الحديقة التي أعطيت اسمها في مارون الرأس. للدول الغربية حصة أيضاً. بعد عدوان تموز بداية ثم بعد الأزمة السورية وتدفق النازحين إلى المنطقة، سجل نشاط مكثف للجمعيات الممولة غربياً ولوحدات الدول المشاركة في قوات اليونيفيل: حدائق عامة وحملات تشجير وبرك زراعية وشبكات بنى تحتية ومولدات كهرباء ودعم مراكز تعليمية وصحية وثقافية ودورات تدريب مهني وقروض استثمارية (...).

بين هذا وذاك، تحضر المشاريع الاستثمارية في شكل خجول جداً. الزراعة تتراجع. النشاط الصناعي يتراجع في بنت جبيل. معامل الأحذية في مدينة بنت جبيل التي كانت تصدر منتجاتها، لعقود من الزمن، إلى الخارج اندثرت. هل يكفي القول إن هناك مدارس وطرقات وبنى تحتية وبعض مهرجانات؟ وما هي حصيلة كل وعود التنمية منذ التحرير في عام 2000 حتى يومنا هذا؟
يشكو خليل ذيب عضو مجلس بلدية شقراء السابق من «محاصصة حزب الله وأمل للتوظيفات والخدمات. ومن أراد الاستفادة، عليه طلب الولاء». المنافع الفردية تبقى جزئية، لكن تحقيق التنمية الزراعية يخدم الجميع. في القضاء الذي كان يعتاش جزء كبير من المقيمين فيه من زراعة التبغ والخضار، تحول الكثير من الحقول إلى منشآت سكنية أو أرض بور. فيما تحولت البرك الزراعية إلى ملاعب لكرة القدم كما هي الحال في تولين، وإلى مقر للبلدية كما في كونين، وإلى مجمع ديني كما في حولا. غياب الرؤية الزراعية لا تفسير له عند نواب المنطقة من استصلاح الأراضي إلى قروض التسليف، والأهم توفير مياه الري.
سليم أيوب ابن حولا، تؤرقه أزمة المسح العقاري الذي توقف في القضاء لأسباب، أبرزها التعدي على الأملاك العامة والخاصة على حد سواء. تراخيص البناء وحصر الإرث والبيع والشراء باتت مجمدة بسبب توقف المسح.

من الإقطاع إلى الأحادية
بالنسبة إلى أحمد مراد، عضو لائحة «صوت واحد للتغيير» المدعومة من الحزب الشيوعي، لم يتغير الكثير بين انتخابات عام 1972 وانتخابات 2018. قبل 46 عاماً، رشح الحزب الشيوعي الطبيب الشيوعي أحمد مراد في مواجهة عبد اللطيف بيضون وحميد دكروب المدعومين من كامل الأسعد. حاز ابن الـ 26 سنة 3 آلاف و160 صوتاً بفارق نحو خمسة آلاف صوت عن الفائزين آنذاك. وعندما كان الجنوب دائرة واحدة عام 1992، نال مراد 20 ألفاً و500 صوت. قبله، رشح «الشيوعي» عن بنت جبيل عام 1968، المفكر حسين مروة الذي خسر بوجه الإقطاع وحاز 1500 صوت.
على رغم مرور 46 عاماً، يرفع أحمد مراد الشعارات ذاتها في حملته الانتخابية: «الوقوف بوجه الإقطاع وتعزيز الصمود في الجنوب ودعم الحقوق المطلبية، ولا سيما للمزارعين وتطبيق القوانين واحترام الدستور من أجل دولة علمانية مقاومة». على رغم ارتفاع المستوى التعليمي والاجتماعي والاقتصادي لأبناء المنطقة على مدى نصف قرن، يجد طبيب الأطفال الذي درس بمنحة من الحزب الشيوعي، أن "القديم على قدمه. الإقطاع العائلي استبدل بالإقطاع الطائفي. لكن المحسوبية و(أمرك سيدي) لم تتغير". يأسف لانحسار مساحة الحريات الشخصية والمنابر الفكرية والثقافية وسيطرة الجو الديني على المنطقة.
من بيت ليف، خرجت أولى مرشحة من القضاء إلى النيابة. عضو لائحة «كلنا وطني» في الجنوب 3، ريما حميد (27 عاماً) تقارع ابن بلدتها النائب أيوب حميد الثابت في موقعه منذ 26 عاماً. الاختصاصية الاجتماعية نشأت في أجواء حركة أمل. والدها المزارع انضم إلى حركة المحرومين. تنفي الشبهات التي طالت الحزب الذي انتمت إليه منذ عام، بالتمول من السفارات ومعاداة المقاومة. «استدنت رسم الترشح وأعتمد على التبرعات في حملتي الانتخابية». الناشطة الاجتماعية التي أسست جمعية تنموية في بلدتها مع عدد من الشبان والشابات، تشبّه التجربة البلدية بالتجربة النيابية، «إنما على أوسع. الناس هم أنفسهم والنظام هو نفسه». لا تقترب من انتقاد حزب الله وأمل، بل تكتفي باستعراض تجربتها الخاصة. «لا أستطيع العيش في بيت ليف بسبب غياب المقومات الوظيفية والخدماتية».