على عتبة اليوم الانتخابي الطويل، فتح التيار الوطني الحر في المتن الشمالي النار على خصومه وحلفائه وأصدقائه أعضاء اللائحة الواحدة. لم يوفر رئيس التيار جبران باسيل، أول من أمس، أحداً خلال المهرجان الانتخابي الذي أقيم في ساحة بلدة الجديدة. الطلقة الأولى أصابت النائب ميشال المر ونجله الوزير السابق الياس المر: «جايي تخوفنا بالأنتربول، نحن بدنا ناخدك عالأنتربول»، في إشارة الى تهديد المر الابن بعض المتنيين بالأنتربول.

الطلقة الثانية صوب حزب الكتائب الذي نعته من دون أن يسميه بـ»مدرسة الكذب». أما الطلقة الثالثة، فسقطت مباشرة في باحة حليف إعلان النيات حزب القوات اللبنانية: «أخذ المال من الخارج من خلال الحوالات ونعرف جيداً ما هي وما هو مصدرها لاستعمالها ضدنا في الانتخابات ليس عملاً سيادياً»، علماً بأن تيار المتن كان قد ركز حملاته طوال الفترة الماضية على المر والكتائب، محاولاً تحييد القوات، وهي المرة الأولى التي يوجه فيها لمعراب اتهامات مماثلة.
الطلقة الرابعة، أصابت الحليف القديم حزب الطاشناق الذين كان أمينه العام هاغوب بقرادونيان جالساً في الصف الأول: «الوفاء هو بصدقنا في تحالفنا الانتخابي. فإذا خسرنا تخسرون معنا وإذا ربحنا تربحون معنا (...) فلنراجع التاريخ السياسي لمن يشكون. فلم يحصلوا يوماً على وزيرين إلا معنا، ولم يحصلوا على عدد نواب إلا معنا». الرسالة الأخيرة ليست عبثية، على ما تشير مصادر التيار، فقد تناهى الى مسامع العونيين أن الطاشناق في صدد تسريب أصوات الى المر لمساعدته في الحصول على حاصل انتخابي. إذ يقدر حجم الطاشناق في المتن بنحو 10 آلاف صوت، نصفهم كاف لنجاح مرشح الطاشناق النائب أغوب بقرادونيان لأنه لا منافس جدّياً له على أي لائحة ولأنه باستطاعة التيار تأمين حاصلين ونصف حاصل في المتن. وذلك يكفي لضمان بقرادونيان مقعده، ولكن على حساب نائب عوني، فيما يوفر لنفسه مقعداً بقدرة الحزب الذاتية إذا ما جيُّرت كل الأصوات الأرمنية لمصلحة لائحة التيار.
تتحدث المصادر العونية عن ضمان التيار الحر أربعة مقاعد، بما فيها المقعد الأرمني في حال تمكن لائحة القوات ولائحة المر من تأمين حاصل انتخابي، على اعتبار أن حزب الكتائب يضمن الفوز بمقعدين. لكن سقوط لائحة المر والقوات من شأنه رفع الربح العوني الى ستة مقاعد، وهو ما يعوّل عليه العونيون، لذلك كان لا بدّ من «إيصال الرسالة بهذه الطريقة الى الطاشناق».

جيسيكا «تلوّن» القوات
على المقلب القواتي، الأحوال أفضل مما توقعه الجميع. فعلياً، نجحت المرشحة عن أحد المقاعد الأرثوذكسية الإعلامية جيسيكا عازار بإضفاء لمسة إيجابية على اللائحة الباهتة، وجولاتها المتنية تحشد ما لم تستطع القوات حشده خلال 13 سنة. إلا أن السؤال الأبرز يبقى إذا كان ما سبق هو مجرد «همروجة» عابرة أم ستترجم بالصندوق الانتخابي. رغم ذلك، تتوقع الماكينات أن يكون الخرق، إذا حصل، لمصلحة المرشح القواتي الماروني إدي أبي اللمع لأن كل أصوات الحزب التفضيلية ستؤول إليه. من ناحية أخرى، لا تزال نتائج لائحة المر غامضة، ولا أحد بمقدوره الحسم في ما إذا كان سيؤمن حاصلاً للائحته.

يتخوف العونيون من تسريب الطاشناق بعض أصواتهم لمصلحة المر بهدف إنجاحه


لطالما خاض «أبو الياس» الانتخابات منفرداً، ولطالما كان جمهوره مشتركاً مع الأحزاب، فيشطبون مرشحاً لا يعنيهم لوضع اسمه مكانه. لذلك يصعب في ظل القانون النسبي والصوت التفضيلي معرفة توجهات هذا الجمهور وخياراته.

نحاس يتحدى زعماء الطوائف
في موازاة اللوائح الثلاث، لائحة حزب الكتائب التي كانت تعوّل على استقطاب المجتمع المدني والمستقلين، قبل أن يرفض هؤلاء التحالف مع بكفيا، فتذهب الى تشكيل لائحة يطغى رئيسها النائب سامي الجميل على باقي الأعضاء. وحتى الآن، لا يمكن التكهن بهوية الفائز الثاني الى جانب الجميل، لأن المقعد رهن بما يتبقى من مقاعد شاغرة، نظراً الى أن كل المرشحين مغمورون. وهو ما يطرح نساؤلات حول عدم تحالف الجميل مع مرشح جدي ذي حيثية يمكنه إضافة حاصل إلى اللائحة واكتفائه بما تحصده الكتائب منفردة. يؤخذ على الفتى الكتائبي من ناحية أخرى تفضيله قتله الناطور على أكل العنب؛ فتلهّيه بالهجوم على التيار الوطني الحر في كل مناسبة واجتماع ومهرجان، أدّى الى إغفاله هموم الناس ومطالب البلدات. نتيجة ذلك، فشل الكتائب في اجتذاب المستقلين الذين لم يجدوا في الجميل سوى صورة أخرى للنظام السياسي المتنطح في ما بينه على تقاسم الجبنة، ولا سيما أن لائحة مدنية تشكلت برئاسة المرشح الكاثوليكي الوزير السابق شربل نحاس. وبرنامج نحاس لا يتشابه أبداً وتوجهات الكتائب، بل أساسه «مواجهة زعماء الطوائف والمحاصصة وتفكيك المنظومة الطائفية للوصول الى دولة مدنية»، على ما يقول نحاس لـ»الأخبار». لذلك رسا الخيار على مرشحين بعيدين كل البعد عن الأحزاب السياسية وهم: إميل كنعان، نادين موسى، أديب طعمة، فكتوريا الخوري وجورج الرحباني. لائحة «كلنا وطني» واضحة كوضوح أهداف نحاس، الوزير الذي استقال بعد رفضه الانصياع لمحاصصات الطوائف وإصراره على اتخاذ القرارات التي تخدم المواطنين لا الأحزاب والزبائنية. والدولة المدنية هنا ليست حلماً، بل يمكن الوصول إليها تدريجياً، «فمجرد وجود نائب غير طائفي لا يعمل لمصلحة الأحزاب في المجلس، بل يفرض مشاريع سياسية واجتماعية تفيد المواطن، نكون قد أضعفنا القوى السياسية واقتربنا من الدولة المدنية أكثر فأكثر». يتحدث نحاس عن «مفاجأة»، فقد يكون القضاء الذي انطلقت منه غالبية الأحزاب السياسية، بداية انطلاقة لحركة مدنية تمثل المعارضة الحقيقية لا من يحاولون التلطي وراءها لزيادة مكاسبهم.