قبل يومين من موعد الاستحقاق الانتخابي، تستعر المواجهة في دائرة الشوف ـــ عاليه (جبل لبنان الرابعة). تتداخل الصراعات السياسية التاريخية والمستقبلية، وتستخدم فيها مختلف وسائل التحشيد الانتخابي، من المال والنفوذ إلى العصبيات الطائفية ونبش أحقاد الماضي. لا تقف المنافسة عند حدود اللوائح المتقابلة، بل تمتد إلى داخل اللائحتين الرئيستين، لائحة تحالف الحزب التقدمي الاشتراكي ــ تيار المستقبل ــ حزب القوات اللبنانية، ولائحة التيار الوطني الحر ــ الحزب الديموقراطي اللبناني، عبر استخدام المرشّحين ما يتوفّر من «العتاد» ضد زملائهم على اللوائح ذاتها، في حرب الصوت التفضيلي المفتوحة.

جنبلاط للحريري: شو صاير فيك؟

في بعقلين المحطة الأخيرة في جولته الشوفية، أمس، توجه وليد جنبلاط الى «حليف الامس واليوم، الرئيس سعد الحريري»، قائلا:»ألا تدرك اهمية وموقع رئاسة الوزارة الذي تحصن بالدم بعد حروب الجبل، وصولا الى اتفاق الطائف؟ لماذا تُترك للعابثين والسارقين ومارقي الطريق، اقولها بحسرة وقد وقفنا معكم في 2005 و14 آذار وهزينا البلاد لانسحاب الجيش السوري، واكملنا ولم نخف من الرسائل واولها مروان حمادة واستمررنا، شو صاير فيك يا سعد الحريري.. شو؟ وقفة ضمير».


خلال الأيام الماضية، رفع النائب وليد جنبلاط سقف خطابه السياسي لشدّ عصب مناصريه، خلال جولة له في عدد من القرى الشوفية، مستعيداً خطاب المظلومية. هدف الخصوم إضعاف الزعامة الجنبلاطية ومحاصرة تيمور جنبلاط في أولى خطواته على طريق وراثة زعامة آل جنبلاط وجبل لبنان الجنوبي؛ مشبّهاً المرحلة بعام 1957 حين استعر الصراع بين الراحلين كمال جنبلاط وكميل شمعون على وقع اشتباك إقليمي كبير بين مصر عبد الناصر وحلف بغداد، قبل أن ينفجر على شكل حربٍ صغيرة في عام 1958، أعادت إنتاج تسوية داخلية لبنانية.
يستشعر جنبلاط في الآونة الأخيرة محاولة لإنتاج توازن جديد في الجبل يواكب وصول «رئيس مسيحي قوي» إلى قصر بعبدا، بتسوية شارك في صياغة عناوينها سعد الحريري، وذلك في مقابل التوازن القديم الذي قاده الرئيس نبيه برّي والزعيم الدرزي في عصر رفيق الحريري، كنتاج لمرحلة ما بعد اتفاق الطائف. فجنبلاط بقي على الدوام، «بيضة القبّان» حين يشتد الانقسام في البلاد، وكان دائماً موقعاً لا مجرد دور، بفعل الهامش الذي منحته إياه سوريا خلال فترة إدارتها للملفّ اللبناني وتأثير الدروز اللبنانيين في دروز المشرق. جنبلاط نفسه قاوم سابقاً محاولات الرئيس إميل لحود تحجيمه وعزله عن معادلة «الترويكا»، وهو صراع امتد إلى ما بعد الخروج السوري من لبنان. غير أن المعادلات الجديدة لم تعد تسمح لجنبلاط بالحصول على هذا الهامش، فلا هو وقف إلى جانب سوريا، الدولة الضامنة لدور الدروز في الإقليم، بل ذهب بعيداً بتأليب دروز لبنان ضدّها، ولا عون الجديد هو عون ذاته في اجتماع «سيدة البير» في منتصف السبعينيات، حين كان يؤيّد منح الدروز أكثر ممّا يطلبون لإيمانه بأنهم «طائفة مؤسسة وخط الدفاع الأوّل عن المسيحيين». عون اليوم، أخذ مكان جنبلاط عند سوريا وعمّد تحالفه مع الرئيس السوري بشّار الأسد بتحالف عميق واستراتيجي مع حزب الله.
وفي حين لا ينفّك جنبلاط يتّهم الحريري بالمساهمة مع عون في حصاره، فرضت المرحلة الماضية والتصاق الحريري بجنبلاط، تحالفاً انتخابيّاً بين الرجلين في الشوف وبيروت والبقاع الغربي ربّما يكون الأخير من نوعه، إن لم تُنتَج تسوية ما، بعد الانتخابات النيابية، تعيد الانتظام إلى العلاقة بين حلفاء الأمس.

نعمة مقابل أبي خليل
في التفاصيل الانتخابية، يسعى جنبلاط إلى رفع الحاصل الانتخابي للائحة عبر رفع نسبة اقتراع الناخبين الدروز، بما يحدّ من إمكانية اللائحة المواجهة من الحصول على حاصل إضافي للمقعد الرابع (التقديرات تشي بحصول اللائحة العونية الأرسلانية على ثلاثة مقاعد). هذا إذا بلغت نسبة الاقتراع عند الدروز حوالى 51.5% (61.800 ناخب)، وتراوحت عند المسيحيين حوالى 48.5% (48000 ناخب). وتقدّر الماكينات في حال ارتفاع نسبة الاقتراع عند الدروز إلى 60%، أن يصبح الحاصل بين 13000 إلى 13500 صوت.
يطمح جنبلاط الى الحفاظ على مقعد نعمة طعمة (كاثوليكي) في الشوف، ومقعد هنري حلو في عاليه (ماروني)، لما يعنيه الأمر من تنوّع وعدم حصر نوّابه بالمقاعد الدرزية. وتتضمن خطّة الاشتراكي الآتي: تأمين تيمور جنبلاط 13 ألف تفضيلي (كان مقرّراً 15000 لإبعاد تيمور عن أي تهديد، إلّا أن الحسابات «المريحة» لتيمور سمحت بمنح جزء من أصواته التفضيلية للنائب مروان حمادة ولطعمة)، فيما بإمكان المرشّح الاشتراكي بلال عبدالله (سنّي) تأمين حوالى 8000 صوت من إقليم الخروب. وفي الأيام الماضية، بات الاشتراكي يفكّر في التركيز أيضاً على المرشّح راجي سعد (ماروني) في عاليه، على اعتبار أن إسقاط الوزير سيزار أبي خليل في عاليه هو الرّد الجنبلاطي الأنجع على باسيل، الذي يضع نصب عينيه انتزاع المقعد الكاثوليكي في الشوف لحساب مرشّحه غسان عطاالله عبر جرعات من الدعم العلني، لتسجيل الانتصار على جنبلاط. إذ إن إصرار النائب طلال أرسلان على عدم ترشيح المرشّح القومي حسام العسراوي (درزي) إلى جانبه في عاليه، سمح للاشتراكي في توزيع أصواته التفضيلية بشكل مريح، محوّلاً جزءاً من أصوات النائب أكرم شهيّب الدرزية إلى حساب كل من حلو وسعد. وعلى هذا الأساس، يندلع صراع خفي بين أبي خليل والمرشّح العوني الآخر إيلي حنّا، فيحاول الأول حشد أصوات التّيار لمصلحته لضمان حجز مقعده أوّلاً في عاليه، فيما تستنفر عصبية «أرثوذكسية» لرفد حنّا بالأصوات اللازمة. وفي التوازي، يضع القوميون في عاليه إسقاط مرشّح القوات أنيس النّصار (أرثوذكسي) هدفاً لهم. إذ إن الشقاق مع أرسلان دفع بقيادة القومي إلى اتخاذ قرار بدعم لائحة التيار ــ أرسلان بالأصوات، من دون صوت تفضيلي، ما يسمح لهؤلاء بتوزيع أصواتهم بين أبي خليل وحنّا. غير أن أكثر من مصدر، يؤكّد أن خيار الغالبية من القوميين في عاليه سيصبّ في حساب لائحة الوزير السابق وئام وهّاب ومرشّحه وليد خيرالله (أرثوذكسي)، كردّ فعل على الخلاف مع أرسلان ومحاولة لإيصال خيرالله على حساب نصّار، في حال حصول لائحة وهّاب على حاصل انتخابي.

معركة المقعد الواحد
وفي ظلّ تأكيدات ماكينات المستقبل والاشتراكي على أن مقعدي النائب محمد الحجّار وبلال عبدالله مضمونان، تصبح حظوظ المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي علي الحاج بالربح صعبة. إلّا أن حسابات الماكينات المقابلة، تعطي للحاج فرصة كبيرة، مع المعلومات المتداولة بأن أصوات قوى 8 آذار السنيّة ستصبّ لمصلحته وإمكانية حصول خرق للائحة التيار ــ أرسلان في المقعد السني. وفيما تعطي ماكينات القوات والاشتراكي حظوظاً للوزير السابق ماريو عون (ماروني) للفوز على حساب عطاالله، تشير ماكينة التيار الوطني الحرّ وماكينات قوى 8 آذار، إلى حظوظ مرتفعة لعطاالله على حساب نعمة، وخصوصاً في ظلّ اهتمام باسيل بالفوز بالمقعد الكاثوليكي وتسديد ضربة مشتركة لجنبلاط والرئيس نبيه برّي، الذي قرّر منح أصوات حركة أمل في الشوف لطعمة.
وتندلع معركة طاحنة على المقاعد المارونية في لائحة جنبلاط ـــ المستقبل ـــ القوات، بين الوزير السابق ناجي البستاني والوزير السابق غطّاس خوري، على اعتبار أن المقعد الماروني الثالث مضمون للنائب جورج عدوان. وبحسب المعلومات، فإن تيار المستقبل سيرفد خوري بحوالى ألفي صوت تفضيلي من إقليم الخرّوب. وتقدّر الماكينات قدرة القوميين في الشوف بحوالى 2500 صوت، ستصبّ لمصلحة المرشّح القومي سمير عون، فيما يقدّر القوميون قوتهم بحوالى 3600 إلى 3800 صوت. لكنّ شعور القوميين بأن حظوظ مرشّحهم صعبة تخفّف من الحماسة للاقتراع، في حين قرّر بعضهم منح صوته لوهّاب ردّاً على التوتّر الحاصل مع أرسلان.

هل يُحصّل وهاب الحاصل؟
تضع ماكينة القوات والاشتراكي احتمالاً بأن تتمكن لائحة وئام وهّاب من بلوغ الحاصل الانتخابي. يدرك وهّاب جيّداً أن احتمال فوزه هو شخصيّاً أمر صعب في مواجهة مروان حمادة، لذلك، تبدو أولويته حصول اللائحة على الحاصل، ما يمنح إمكانية فوز واحد من اثنين على لائحته: النائب السابق زاهر الخطيب أو الياس البراج (سنّة)، زياد الشويري (ماروني ـــ الشوف)، أو وليد خيرالله (أرثوذكسي ـــ عاليه).