«أولويّات النوّاب لا تتناسب جيّداً مع أولويّات المواطنين». هذا ما خلص إليه المركز اللبناني للدراسات، في إطار دراسته الجهود الّتي بذلها البرلمان اللبناني لتلبية احتياجات المواطنين. فهل تتناسب أولويات البرامج الانتخابية الجديدة مع أولويات اللبنانيين تلك؟ هذا ما حاولنا الإجابة عنه من خلال مقارنة أولويات اللبنانيين، وفق العيّنة التي درسها المركز، بالبرامج الانتخابية لأبرز الأحزاب السياسية الممثلة في المجلس أو المرشحة لإعادة التمثّل فيه.

من خلال عمله في تقييم أداء مجلس النوّاب اللبناني وأعضائه، قدّم المركز اللبناني للدراسات دراسة لتحديد حجم الجهود الّتي بذلها أو يبذلها البرلمان اللبناني لتلبية احتياجات المواطنين. أجريت الدراسة على عيّنةٍ تمثيليّة من 2496 مواطناً لبنانياً، قاموا بترتيب أولويّاتهم، ومن ثمّ قارن المركز احتياجات الناس بالأولويات التي حدّدها 65 نائباً (عدد النواب الذين وافقوا على التحاور مع المركز). واستنتج المركز «أنّ أولويّات النوّاب لا تتناسب جيّداً مع أولويّات المواطنين». وبحسب موقع «نيابةً عني»، الخاص بنشر كل ما يتعلّق بمراقبة المركز اللبناني للدراسات للمجلس النيابي، ظهرت لائحة من سبعة هموم أساسيّة لدى المواطنين الذين شملتهم العيّنة، وقد تصدّرت الزيادات في أسعار السلع قائمة الشواغل لدى 21 بالمئة من المواطنين، تلتها البطالة لدى 11 بالمئة منهم، ثم تكاليف الصحّة والتعليّم لدى 8 بالمئة، وإمدادات الكهرباء والمياه لدى 7 بالمئة، ثمّ الإرهاب لدى 6 بالمئة، ومعالجة النفايات الصلبة لدى 6 بالمئة، وتزايد الفقر لدى 5 بالمئة.
وفيما شدّد 58 بالمئة من المواطنين على التحدّيات الاجتماعيّة والاقتصاديّة (مثل البطالة، ارتفاع الأسعار، الصحّة، التعليم، الكهرباء، المياه)، فإن 30 بالمئة فقط من النوّاب شاركوهم هذه الهموم. وفي إطار مراقبة عمل المجلس النيابي وكيفية معالجته لأولويات اللبنانيين، عرض المركز اللبناني للدراسات القوانين الـ352 التي أقرت بين حزيران 2009 ونيسان 2017، وحصر أولويات الناس بثلاثة قطاعات أساسية: الصحّة والتعليم والكهرباء. وكانت النتيجة أن واحداً وثلاثين قانوناً فقط من أصل 352 عالجت هذه الشواغل، أي نسبة 9 بالمئة من إجمالي القوانين التي أُقرَّت.
وإذا أخذنا الأولويات السبع نفسها لدى المواطنين، وقارنّاها مع البرامج الانتخابية الجديدة لدى معظم الأحزاب الممثلة في البرلمان أو المرشحة لنيل مقاعد في البرلمان الجديد، يتّضح أن الهوّة لا تزال كبيرة بين أولويات اللبنانيين وأولويات البرامج الانتخابية. عناوين كبيرة ووعود فضفاضة ولا شيء قيد التحقيق... وإذا كان الشعب لا يحاسب على أساس البرنامج، فلا شيء يردع الأحزاب واللوائح والمرشّحين من استعادة العناوين نفسها من الدورات الانتخابية السابقة، حتى من دون ذكر السبيل إلى تحقيق عناوين البرامج.

التكلفة الصحيّة أولاً
في الإعلان الانتخابي لـ «تيار المستقبل»، حُدِّدَت «العناوين العريضة لثوابت وأولويات والتزامات مرشحي التيار»، وذلك تجاه «القضايا الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والإصلاحية» كما جاء في الإعلان. لكن مقارنة بأولويات اللبنانيين السبعة، يبدو أن الشق الاستشفائي هو الوحيد الذي لحظه البرنامج، واعداً بالعمل على «تطوير نظام التقديمات الصحية باتجاه إقرار القوانين المتعلقة باعتماد البطاقة الصحية». واكتفى التيار الأزرق بإلحاق الجملة الآتية بما سبقها «والتأكيد على إقرار مشروع قانون حماية الشيخوخة». أما التيار الوطني الحر، وفي باب الصحة المندرج تحت عنوان «تأمين حياة أفضل»، فلم يذكر نيته في مكافحة غلاء الاستشفاء وارتفاع تكاليفه كما جاء ضمن أولويات اللبنانيين.
في المقابل، أولى حزب الله التكاليف الصحية شقاً من برنامجه عبر «تأمين التغطية الصحية الشاملة للمواطنين، إقرار قانون الحماية الاجتماعية وضمان الشيخوخة، العمل على خفض الفاتورة الدوائية عبر الحد من الاحتكار». وفي ما يخص التكلفة الصحية، أشار بيان «القوات اللبنانية» الانتخابي إلى «مواصلة مسار قانون التغطية الصحية الشاملة لدى اللجان النيابية إلى حين إقراره». وفي الصحة، أفرد حزب الكتائب مساحة لرعاية الصحية، وكان صريحاً لناحية «إقرار قانون الضمان الصحي المجاني للذين تفوق أعمارهم 65 سنة بموازاة تعديل قانون العمل بما يفي بمستلزمات التغطية الصحية لكافة العاملين».

كلفة التعليم ليست أولوية
أما في تكاليف التعليم المرتفعة، فقد اكتفى بيان المستقبل الانتخابي بذكر البند الآتي: «العمل على سد الفجوة في مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة»، من دون ذكر غلاء الأقساط ومجانية التعليم. وانسحب الأمر على برنامج التيار الوطني، إذ وعد «بتعليم رسمي للجميع، جودة ونوعية في البشر والحجر».
وجاء في متن البرنامج الانتخابي لحزب الله، بند رفع مستوى التعليم الرسمي، كما لدى باقي الأحزاب والبرامج، من دون الإشارة صراحة إلى آلية خفض الأقساط. وفي التعليم أشار بيان «القوات» إلى «أن كتلة القوات ستعمل على إقرار صيغة تؤمن للأهل الدعم والغطاء اللازمين مقابل الضرائب والرسوم التي يسددونها للدولة لمنحهم القدرة على تعليم أبنائهم».

معالجة النفايات الصلبة
وفي ما يتعلّق بأزمة النفايات التي حصدت 6 بالمئة من شواغل اللبنانيين، وعد برنامج تيار المستقبل «بإنهاء أزمة النفايات من خلال خطة شاملة لكل لبنان، ووضع البدائل العلمية والبيئية للمطامر القائمة، ومن ضمنها إنشاء معامل حراريّة تنهي مشكلة مئات المكبّات العشوائية ومخاطرها على البيئة والصحة العامة».
أما التيار الوطني الحر، فاكتفى ببند «بيئة نظيفة والملوث يدفع» إضافة إلى «خطة لا مركزية للنفايات». فيما لحظ برنامج حزب الله الانتخابي «وضع مخطط توجيهي متكامل لأزمة النفايات الصلبة يتضمن حلولاً آنية واستراتيجية». بينما وعد البيان الانتخابي لـ «القوات» بأن «الكتلة لن توفر جهداً في معالجة أزمة النفايات، مع إيجاد حل بيئي للنفايات المنزلية». بينما وعدت حركة أمل «بتنفيذ المشاريع البيئية اللازمة المتصلة بحل أزمة النفايات والصرف الصحي نهائياً».
أما حزب الكتائب، فحمّل برنامجه «إقرار مشروع قانون إدارة النفايات الصلبة بعد إجراء التعديلات اللازمة (…) وإقرار الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة (…) وإقرار اقتراح القانون المقدّم من الكتائب اللبنانية، والقاضي بإلغاء الديون المستحقة على البلديات للصندوق البلدي المستقل جراء عقود إدارة النفايات الصلبة، وتعيين هيئة ناظمة لقطاع النفايات الصلبة تحت وصاية وزارة البيئة»، إضافة إلى «تشجيع الفرز من المصدر، وتحفيز صناعات إعادة التدوير، على أن تكون هذه الإدارة لامركزية بإشراف الدولة».

مكافحة «المضاربة» بدل البطالة
في الشق المتعلق بتوفير فرص العمل، وهو ما يتوافق مع «البطالة» كثاني أبرز شاغل للبنانيين، ذكر التيار الوطني الحر «إيلاء المصلحة لليد العاملة اللبنانية وتفضيلها على اليد العاملة الأجنبية»، ليس هذا فقط الحل الذي يراه التيار مناسباً، بل «رعاية الطبقات المضطهدة والفقراء والمهمشين في نظام عمل منفتح يتيح الفرص ويواجه التحديات»… أي فرص وأي تحديات؟ لا شيء محددٌ.
وفي البطالة، يبدو أن منع المضاربة على اليد العاملة اللبنانية هو الهمّ الأول لدى الأحزاب المسيحية، من دون الحديث عن زيادة فرص العمل ومكافحة أسباب البطالة الأخرى غير اليد العاملة الأجنبية. ومكافحة المضاربة أمر ينسحب على برنامج «القوات اللبنانية»، فيما بدا البعد السياسي والكياني للدولة في صلب أولويات القوات، إضافة إلى ترسيم الحدود والحريات العامة واستقلالية القضاء واللامركزية ودعم المرأة.

تصدّرت الزيادات في أسعار السلع قائمة الشواغل لدى المواطنين (21 بالمئة)، لكن ذكرها كان نادراً في البرامج

لكنّ حركة أمل ذكرت صراحة ما يأتي: «توليد فرص العمل في القطاعين العام والخاص بما يؤدي إلى خفض معدلات الهجرة». شأنه شأن باقي الأحزاب السياسية، أفرد حزب الكتائب مساحة واسعة لترسيم الحدود ودعم الجيش والسياسة الخارجية والشفافية واللامركزية، وهي أمور لم تأتِ ضمن أولويات اللبنانيين إلا في ما يخص الإرهاب. وفي البطالة دعا بيانه إلى «استحداث برنامج تأمين ضد البطالة لحماية الفرد وعائلته أثناء البطالة القسرية».

«نقص» في إمدادات الكهرباء والمياه
أما في ما يخص همّ اللبنانيين المتعلّق بإمدادات المياه والكهرباء، فذُكر في برنامج التيار الوطني الحر ضمن العموميات «اعتماد الطاقة البديلة، وتأمين نوعي لمياه الشفة»، وفي ما عدا ذلك كانت هموم البرنامج بشعار «مكمّلين» تتفق على زيادة تمثيل المرأة والانفتاح على المغتربين.
أما حركة «أمل» التي منحت تطبيق الدستور وإلغاء الطائفية السياسية «حصة الأسد» من برنامجها، فلم تتوافق أولويات برنامجها مع العدد الأكبر من مشاغل اللبنانيين، لكنها وعدت في البنود المتعلقة بإمدادات المياه والكهرباء «باستكمال مشاريع البنى التحتية الأساسية من مشاريع جرّ المياه، وفي الطليعة إنهاء المراحل المتصلة باستكمال مشروع الليطاني، وتنفيذ وإنجاز الخطط الحديثة لإنتاج الكهرباء وتوزيعها رسمياً وتحرير المواطنين من الاشتراك». كذلك انفردت الحركة بمنح مواجهة الإرهاب (6 بالمئة من أولويات اللبنانيين)، وتحديداً «التكفيري»، مساحة من برنامجها.

تجاهل ارتفاع أسعار السلع والفقر
وفيما تصدّرت الزيادات في أسعار السلع، وفق دراسة المركز اللبناني للدراسات، قائمة الشواغل لدى المواطنين (21 بالمئة)، كان ذكرها نادراً في البرامج. أولى «حزب الله» في برنامجه الانتخابي شقاً للسياسات المالية، ذكر فيه أولويّته تجاه «إصلاح النظام الضريبي ومواجهة الضرائب التي تطاول ذوي الدخل المحدود». أما سنّ قوانين لحماية المرأة، ذوي الاحتياجات الخاصة، وإنجاز المحاكمات وتحسين وضع السجون وإقرار العفو العام لمن يستحقه، وعودة النازحين السوريين… كلها نقاط ذكرها البرنامج الانتخابي لـ «حزب الله»، وهي مطالب أساسية، لكنها لم تندرج مباشرة ضمن الأولويات السبعة للمواطنين.
وفي هذا الشق، كان حزب الكتائب أكثر اهتماماً، إذ أعلن في برنامجه نيّته «خفض الضريبة على القيمة المضافة إلى 10 بالمئة والعمل على الإصلاح الضرائبي بهدف رفع نسبة الضرائب المباشرة في مجموع الإيرادات الضريبية مقارنة بنسبة الضرائب غير المباشرة». ووعد أيضاً «بإنشاء مكتب خاص مكلّف مكافحة التهرّب الضريبي» و«تطبيق الضريبة التصاعدية الموحدة على الدخل لضمان العدالة الاجتماعية».



المستقلّون والمجتمع المدني
تعدّدت لوائح المجتمع المدني والبرامج الانتخابية للمرشحين المستقلين، لكن معظم الأهداف هنا صبّت في مواجهة الفساد والسلطة السياسية، وأبرز ما جاء فيها كان المكاشفة والشفافية وتعزيز الرقابة ودور القضاء ومجلس شورى الدولة وغيرها… لكن في ما يتعلق حصراً بالهموم السبعة الأساسية للبنانيين، ذكر برنامج تجمّع «مواطنون ومواطنات في دولة» مثلاً «توفير تغطية صحية شاملة لجميع اللبنانيين المقيمين ممولة من الضرائب على المداخيل الريعية»، ولفت إلى «وضع نظام لضمان البطالة ولتحفيز حصول الشباب على أول فرصة عمل»، وذكر كذلك «خفض كلفة المعيشة وكلفة الإنتاج المحلي، من خلال الاستثمار العام في شبكات النقل والاتصالات والكهرباء والمياه وغيرها».


أين «المحرومون»؟
لم تخرج فئات عديدة من الشارع منذ آخر انتخابات عام 2009، وفي جولة بسيطة على أولئك «المحرومين» من حقوقهم نذكر: ذوي الاحتياجات الخاصة، ضمان الشيخوخة، النساء المحرومات حقّ منح الجنسية لأولادهنّ، رفع سنّ الحضانة، تجريم زواج القاصرات، الزواج المدني، العمال الأجانب، عائلات المفقودين في لبنان، متعاقدو الدفاع المدني، عائلات الموقوفين من غير محاكمات قضائية، موظفو المستشفيات الحكومية، مياومو الكهرباء وجباة الإكراء… وتطول اللائحة. إلاّ أن تلك الفئات غاب ذكرها عن برامج غالبيّة الأحزاب، ولم يكن تناول حقوقها صريحاً إلاّ نادراً، فيما كانت اللوائح المستقلة أكثر جرأة في هذا السياق. وبينما ذكر معظم الأحزاب دعم المرأة وقضاياها، إلاّ أن منح الجنسية ورفع سنّ الحضانة غابا عن الذكر.
وحدها قضية الموقوفين الإسلاميين حضرت في برنامج تيار المستقبل، لكن في سياق «حماية المجتمع الإسلامي من تسلل التنظيمات الإرهابية»، وعلى أساس «إصدار عفو عام يشمل الموقوفين الإسلاميين»، لا التسريع في المحاكمات العادلة لهم. أما الكتائب، فدعا إلى «إلغاء المواد القانونية في قانون العقوبات التي تجرّم المثلية الجنسية». كذلك طالب الكتائب في برنامجه بـ «تطبيق كامل للقانون 2000/220 الخاص بذوي الحاجات الخاصة، ولا سيما في ما يتعلق بتجهيز الأماكن والمرافق العامة». ودعا صراحة إلى «إقرار قانون مدني اختياري للزواج المدني والأحوال الشخصية».