يتفق الجميع على حجم الإنفاق الانتخابي الضخم للمرشحين المتمولين في كلّ الدوائر الانتخابية. ملايين الدولارات تُدفع لدرجة يعجز معها المرشح نفسه عن إحصاء نفقاته، فكيف بمن يرغب في تتبعه. في ما يأتي محاولة لرصد كلفة الحملات الانتخابية، من خلال ما هو ظاهر منها للعيان، وما أمكن جمعه من مصاريف غير مرئية، وهي محاولة تكشف أن حجم الإنفاق سيتجاوز السقف القانوني الذي يقارب 680 مليون دولار، والذي يتوزّع على مختلف المرشحين في كلّ الدوائر الانتخابية.

هل تملك الإعلامية المرشحة في بيروت حجم الثروة التي يملكها رجل الأعمال الكسرواني أو الزحلي أو الشوفي أو الشمالي؟
الإجابة هي لا، إلا أن المقارنة تفرض نفسها بعد الاطلاع على حجم النفقات الانتخابية لدى شركات الإعلان، التي تكشف أن تلك الإعلامية أنفقت في شهر آذار الماضي ضعف ما أنفقه رجل أعمال تصل ثروته إلى حدود المليار دولار، آنذاك، ليتجاوز مجموع ما دفعته سقف 200 ألف دولار، فيما كثف رجل الأعمال نفسه حملته الانتخابية في شهر نيسان ليسجل إنفاقاً يتجاوز 500 ألف دولار. وتكشف الأرقام أيضاً ارتفاع الإنفاق الإعلاني من مليون دولار في شهر شباط إلى أربعة ملايين في شهر آذار، ومن المتوقع أن يكون الرقم مضاعفاً في شهر نيسان، وربما أكثر.

معدل الإنفاق القانوني لمرشح في جبيل ـــ كسروان يصل إلى 700 ألف دولار فمن يلتزم به؟


إلى اللوحات الإعلانية، تبرز كلفة الإطلالات التلفزيونية، التي باتت لها تسعيرتها الموحدة. يومياً يجول الموظف (الجابي) في إحدى محطات التلفزة على المرشحين ممن وردت أسماؤهم في نشرات الاخبار أو أُجريَت معهم مقابلات سريعة لا تتعدى الثواني، ويتولى جباية بدل إطلالاتهم الإعلامية. 2000 دولار من هذا و10 آلاف من ذاك، ليعود بغلة يومية مقدارها 50 إلى 100 ألف دولار. «ما في شي ببلاش، وكل همسة لها تسعيرة»، يقول مدير محطة تلفزيونية، ملمحاً إلى أن «التساهل ممنوع، حتى للمرشحين من الخط السياسي ذاته».

مستعدون للإنفاق
الإعلانات والإطلالات الإعلامية ليست المكان الوحيد الذي ينفق فيه المرشح أمواله لجذب الناخبين. وهنا تتعدد الأخبار الانتخابية المالية، فيُنقل عن مرشح كسرواني متمول أنه صَرَفَ لغاية نهاية نيسان الماضي 8 ملايين دولار، فيما لم يعد خصمه الكسرواني، وهو متمول أقل ملاءة، قادراً على احتساب الملايين التي يصرفها، بدليل قوله أيضاً بحسب متابعين: «مستعد لصرف أي مبلغ، كي أفوز بالنيابة هذه المرة». وكذلك نقل عن شخصية متنية قولها إنها مستعدة لصرف «25 مليون دولار كي لا يخسر أبو...». الرقم أقلّ قليلاً بالنسبة إلى شقيق مرشح زحلي قال في مجلس خاص، وأمامه رزم مكدسة بالعملة اللبنانية: «بدي وصّل خيي (شقيقه) ولو كلفتني المعركة 20 مليون دولار». أما المرشحة البقاعية التي تتهم الآخرين بــ«بيعها»، فيتردد أنها باعت قطعة أرض بملايين الدولارات لتأمين كلفة حملتها الانتخابية وضمان فوزها بكل الطرق. كذلك يسجّل إنفاق ملحوظ للمال من قبل مرشح زحلي محسوب على حزب يملك حضوراً تاريخيا في المدينة. في المتن، يبدو سبب إنفاق المال مختلفاً، إذ يرغب متمول، معظم أعماله في الخليج والخارج، في تسجيل معدل أصوات يؤهله ليكون الأول في الدائرة ربطا بحسابات ما بعد السادس من أيار (المواقع الأولى في الدولة)، وهذا يعني أنه لا بد وأن يتقدم على رئيس لائحته (ماروني). هذا الجهد لا يعني أنه سيتفوق على زميله «كبير المتمولين» الموارنة الذي يحل أولاً في الإنفاق.
لا يرى متابعون أي مبالغة في هذا الكلام، لكنهم يذكّرون أيضاً بمصاريف أهل السطة، مثل رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يقول العارفون إن غالبية نفقاته لم تسدد بعد، أو رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الذي رصد ميزانية انتخابية لا تشبه كل حملاته السابقة، فضلاً عن مصاريف الأحزاب مثل القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وتيار المستقبل، ولا يغيب عنها حزب الله الذي يخوض معركتين قاسيتين في بعلبك ــــ الهرمل وفي كسروان ــــ جبيل، وقد تولى تمويل حملات عدد من الحلفاء، بما في ذلك تأمين الماكينة الانتخابية بكل تفاصيلها.
إذا صدقت كل هذه الأرقام، يصبح سقف الإنفاق المرتفع الذي سمح به القانون الانتخابي، سهل التجاوز. القانون يسمح للمرشح بإنفاق ما يقارب 150 مليون ليرة في حد أقصى، مع مبلغ متحرّك هو عبارة عن خمسة آلاف ليرة عن كل ناخب مسجل في الدائرة. فإذا افترضنا مثلاً أن عدد الناخبين في دائرة مثل كسروان ــــ جبيل هو 176 ألف ناخب، يحق عندها للمرشح أن ينفق: 150 مليوناً + 880 مليوناً عن الناخبين، فيصل معدل إنفاقه القانوني إلى مليار و30 مليوناً، أي ما يقارب 690 ألف دولار. فمن من المرشحين في هذه الدائرة يلتزم هذا السقف من الإنفاق؟ هو مبلغ لا يغطي، بحسب أحد المعنيين بعمل ماكينة حزبية انتخابية، «نفقات زاروب في دائرة انتخابية تشهد منافسة حامية».

مصرفي يقول إن عدداً من المرشحين يسحبون مبالغ نقدية ضخمة يعمل المصرف على تهيئتها بناءً على طلب مسبق


وبما أن الدوائر الانتخابية التي تشهد منافسة حامية كثيرة، يمكن رصد مجالات أخرى للإنفاق تتجاوز الإعلان الانتخابي، ما يجعل من الانتخابات «موسماً» تنشط معه قطاعات مهنية عدة. يبدأ الأمر بشركات الإعلانات والمطابع، مروراً بشركات تأجير السيارات والمطاعم ومحال بيع الهواتف وبطاقات الشحن، ولا ينتهي بتأمين المندوبين وحجز السيارات الخاصة والفنادق أو الشقق المفروشة، أو دفع تكاليف سفر المغتربين، وصولاً إلى شراء الأصوات مباشرة وغيرها من مصاريف تُدرَج في إطار المساعدات الاجتماعية المختلفة.
لا يتردد موظف في أحد أكبر المصارف اللبنانية في القول إن عدداً من المرشحين المتمولين يسحبون مبالغ نقدية ضخمة يعمل المصرف على تهيئتها بناءً على طلب مسبق. وفيما تعتزم هيئة الإشراف التعاقد مع مدققي حسابات للتأكد من التزام كل لائحة سقف الإنفاق القانوني، يؤكد متابعون أن المهمة ستكون في منتهى الصعوبة، ولا سيما مع وجود مبالغ ضخمة تُدفع نقداً دون أي مستند يشير إليها.

إعلانات بأسعار جنونية
كيف ستتمكن الهيئة من رصد المصاريف الانتخابية التي تظهر في أكثر من مكان، وأبرزها في القطاع الإعلاني. الانقطاع عن إجراء الانتخابات تسع سنوات كان كفيلاً برفع الأسعار إلى حد الجنون، بحسب ما يفيد مسؤول في شركة كبرى للإعلانات، كاشفاً عن أن اللوحة الإعلانية التي كانت كلفتها 30 ألف دولار وصلت إلى 100 ألف دولار. أما تسعيرة المقابلات التلفزيونية، فتبدأ من 100 إلف دولار، وتصل إلى 500 ألف دولار، فيما تراوح كلفة المقابلة عبر الإنترنت من 10 آلاف دولار إلى 100 ألف دولار، وعبر الراديو من 15 ألف دولار إلى 30 ألف دولار. وتصل كلفة النقل المباشر لإعلان اللائحة إلى 100 ألف دولار. ويكشف المسؤول أن أكثر فريق سياسي أنفق على الانتخابات هو القوات اللبنانية، ثم التيار الوطني الحر، فتيار المستقبل. ويقدّر كلفة حملة القوات بما يعادل 9 ملايين دولار بدل لوحات إعلانية و5 ملايين دولار بدل إطلالات تلفزيونية. أما التيار الوطني الحر، فبلغت تكاليف حملته عبر لوحات الإعلانات والتلفزيونات 3 ملايين دولار. المبلغ نفسه اقترب منه تيار المستقبل، يليه حزب الكتائب بمجموع لا يتعدى مليون دولار. فيما بلغت الكلفة الإجمالية للإنفاق على الإعلان والإعلام الانتخابي ما يقارب 25 مليون دولار.