قبل أكثر من شهر، حضرت الى لبنان بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في لبنان. فريق عمل مكون من 100 خبير ومراقب دولي انتشروا في مناطق مختلفة من لبنان «بهدف مراقبة سير العملية الانتخابية، وسلوك المرشحين وتعاطيهم مع الناخبين، وحرية التواصل والتعبير عن الرأي، فضلاً عن مسألة مهمة وهي آلية تمويل الحملة الانتخابية للمرشحين»، وفق نائب مدير بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات النيابية جوزيه أنطونيو دو غبريال.

وللغاية نفسها، وصلت الى لبنان أخيراً بعثة المعهد الديموقراطي الوطني الأميركي. 31 مراقباً وخبيراً دولياً يتوزعون على 15 دائرة انتخابية بهدف استطلاع أجواء الانتخابات في لبنان، «ميدانياً» وتكوين «فكرة» عن سير العملية الانتخابية ليتم البناء عليها ورفع توصيات بشأنها الى «المراجع المختصة».
يشارك أيضاً سبعة خبراء عرب أتوا من الأردن والسعودية وتونس والمغرب والبحرين، ينتمون إلى الشبكة العربية لديموقراطية الانتخابات. هؤلاء سيجولون على عدد من الدوائر الانتخابية في البقاع والشمال وجبل لبنان والجنوب لينتهي عملهم بمؤتمر صحافي يوم الأربعاء، وظيفته «تقديم تقويمنا للمناخ السياسي الذي سيواكب العملية الانتخابية والإطار القانوني والاقتصادي والاجتماعي».
في اعتقاد هؤلاء، وبعضهم ينتمي إلى بلدان عربية لم تعرف طعم الانتخابات نهائياً، ولو بحدها الأدنى (النموذج السعودي)، أن وجودهم كخبراء «كفيل بتقديم فكرة شافية ووافية عن استحقاق بهذا الحجم»، أي أن التقرير الذي سنرفعه للمراجع الرسمية اللبنانية «سيكون مبنياً على فكرة يشترك في تكوينها 7 خبراء عن 15 دائرة انتخابية يوم غد الأحد»!
الممر الإلزامي لكل من يريد مراقبة الانتخابات هو هيئة الإشراف على الانتخابات بوصفها الجهة المخولة وفق القانون قبول ودرس طلبات المراقبين المحليين والدوليين ومنحهم التصاريح اللازمة، فضلاً عن تحديد شروط مواكبة الهيئات الأجنبية والمحلية وإقرار ميثاق شرف لهم. تشترط الهيئة على البعثات الدولية وجود مترجمين فوق سن 21 عاماً لهم خبرة مسبقة في عمل البعثات الدولية، وعلى ضوء ذلك، تمنحهم الهيئة بطاقة مراقب دولي بعد التدقيق بهوياتهم.
وعلى قاعدة «الفرنجي برنجي»، يتم استقبال أعضاء البعثة الدولية ومنحهم التسهيلات اللازمة لعملهم. لم يكد يمضي أسبوع على انتقال هيئة الإشراف الى مقرها الرسمي (أريسكو بالاس)، حتى استقبلت بعثات المراقبة الدولية، فيما يأخذ عليها «المراقبون المحليون» أنها تأخرت في استقبالهم «هم لا يحبوننا، ويعطون الأولوية للمراقبين الآتين من دول مانحة»!
يؤكد مصدر مقرب أن بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، كما بعثة المعهد الديموقراطي الأميركي للمراقبة والبعثة العربية نالت كل التسهيلات اللازمة لعملهما بوصفهما جهات دولية، وكذلك الأمر في ما يتعلق بمندوبي عدد من السفارات الأجنبية التي نال مندوبوها بطاقة «زائر مميز» تخولهم مراقبة العملية الانتخابية حتى داخل أقلام الاقتراع.
عمل رديف لعمل المؤسسات المحلية المولجة مهمة مراقبة العملية الانتخابية في لبنان، تصر عليه الحكومة اللبنانية صاحبة الدعوة لبعثات المراقبة غير اللبنانية غايته استصدار شهادة جدارة أمام المحافل الدولية.
وإذا كانت مهمة هذه البعثات مجتمعة مراقبة الانتخابات في لبنان، فمن يراقب عملها إذاً؟ ومن يضع لها خريطة توزعها على الدوائر الانتخابية؟ وما هي الآلية التي تتبعها في توزعها على أقلام الاقتراع في المناطق؟ وهل تفاضل بين دائرة وأخرى، وخصوصاً أن عدد المراقبين قد لا يكون هو العدد الكافي للمراقبة في 1800 قلم اقتراع؟ ناهيك عن مستوى إلمام هذه الهيئات بطبيعة النظام السياسي والطائفي في لبنان؟ وقبل كل هذا وذاك، ما هي الإضافة التي تقدمها تقارير هذه البعثات؟ وهل تقاريرها التي تقدمها الى السلطات اللبنانية هي ذاتها التي تقدمها الى مرجعياتها السياسية؟ أم أن هذه المرجعيات يكون لها اليد الطولى في صياغة هذه التقارير وتوجهها السياسي؟
يجزم دو غبريال أن عملية المراقبة ستكون على امتداد الدوائر الـ 15 و«سنكون موجودين في أقاصي البلاد من الشمال الى الجنوب والبقاع. الهدف المهم هو أن نقدم صورة عامة عن الانتخابات في لبنان وأجواء الحرية التي رافقتها».
المسؤول الذي اختبر تجربة الانتخابات النيابية في لبنان لدورتين متتاليتين (2005 و2009) عاد ليكون شاهداً ومراقباً على انتخابات السادس من أيار 2018. الظروف السياسية اختلفت كما قانون الانتخاب. ولكن الى أي مدى يمكن لهيئة مراقبة دولية أن تكون حيادية في رصدها للوقائع على الأرض؟
يقول دو غبريال إنه «يتفهم» مخاوف اللبنانيين «وإنما نحن هنا بناءً على طلب الدولة اللبنانية، ونتعهد عدم التدخل في الانتخابات واحترام السيادة اللبنانية».
بالمقابل، لا يخرج عمل «المعهد الديموقراطي الوطني الأميركي» عن إطار دعم الانتخابات والخروج بتوصيات «لتقوية العملية الانتخابية»، ما يعني أن غاية المركز هي «صون نزاهة الانتخابات، وتشجيع المواطنين على المشاركة وتعزيز الشفافية». على أن كل هذا يمكن تحقيقه من خلال 31 خبيراً دولياً ينتشرون من الشمال الى الجنوب، فالبقاع وجبل لبنان!
أما البعثة العربية، «فاتكالها على مهنية الخبراء التي يكفل بالنسبة إليها حيادية الأعضاء في التعامل مع الوقائع بعيداً عن سياسات دولها».
كل ملاحظات المراقبين سترد في تقارير ترفع الى هيئة الإشراف على الانتخابات للاستعانة بها في الطعون المقدمة أمام المجلس الدستوري، ولكن كيف لهيئة الإشراف أن تتأكد من حيادية هذه الملاحظات؟ وهل بإمكانها أن ترصد مخالفات المراقبين الدوليين لميثاق الشرف الموقع معها؟
مقارنة مع إمكانيات الهيئة يبدو الجواب سلبياً، فضلاً عن عامل مهم هو أن عمل البعثات غالباً ما يتم بالتنسيق مع الجهات الرسمية المولجة إجراء العملية الانتخابية. وبناءً عليه، تخلو تقاريرها من انتقاد هذه المؤسسات لتركز على «ملاحظات سطحية يمكن لأي شاهد عيان رصدها، ولكن لكلمة مراقب دولي اعتباراتها في لبنان»، على حد توصيف أحد المعنيين سابقاً بالاستحقاق الانتخابي.