ساعات قليلة وتبدأ المعركة الانتخابية، التي ستجرى للمرة الأولى في تاريخ لبنان وفق قانون نسبي ملبنن، اختُرعَ ليراعي التوزيع الطائفي والمناطقي لمجلس النواب، من دون أن تغفل «لجنة العتالة» النيابية، مصالح القوى السياسية التي رجحته على غيره من القوانين. بدا ذلك في توزيع الدوائر الانتخابية والصوت التفضيلي الواحد على أساس الدائرة الصغرى (القضاء).

ولأنه لم يبق من بين السياسيين من لم يرجم القانون الانتخابي، فقد صار جلياً أن المهمة الأهم والأصعب على جدول أعمال المجلس الجديد ستكون الاتفاق على قانون انتخابي جديد، علّه هذه المرة يكون قادراً على تأمين العدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين ويكون قادراً على تأمين الاستقرار السياسي والثبات القانوني، إذ لم يعد مسموحاً أن يُقَرّ قانون لكل انتخابات.
بدءاً من منتصف ليل الجمعة ـــ السبت، تتوقف حملات التجييش الطائفي والمناطقي والسياسي، فيركن الجميع إلى ما ستفرزه الصناديق من نتائج، ستعيد، ولو نسبياً، ترتيب الأحجام السياسية التي نفخت أو حجّمت بفعل القانون الأكثري.
المعركة غير متكافئة. فموارد السلطة الموضوعة بتصرف 16 وزيراً مرشحاً، واحزابهم وتياراتهم، ألغت المساواة بين المرشحين. هيئة الإشراف على الانتخابات أعلنت بنفسها أنها عاجزة عن مراقبة المرشحين، وخصوصاً أهل السلطة، لأن القانون لا يسمح لها بذلك (...). وهي بالتأكيد لن تكون قادرة على ضبط التدخل العلني للأجهزة الأمنية لمصلحة لوائح السلطة.
إذا كان إجمالي الإنفاق الممكن قانوناً في الانتخابات الحالية يصل إلى 700 مليون دولار، فإن تلال الأموال النقدية الموجودة في المكاتب الانتخابية، والتي تستعمل لشراء الذمم، بعيداً عن القدرات الرقابية لهيئة الإشراف على الانتخابات، تؤكد أن الرقم الفعلي للإنفاق الانتخابي لن يقل عن مليار دولار.

المستقبل يحذّر من حصول حزب الله وحلفائه على ثلث مجلس النواب


مليار دولار تكلفة الانتخابات النيابية في بلد مفلس يستجدي الأموال في المؤتمرات الدولية، ويعاني من شح التمويل الخارجي للأحزاب. لكن الأخيرة كان لديها الحل. رجال الأعمال الطامحون إلى الحصانة النيابية كثر. وهؤلاء لا مشكلة لديهم بالتضحية بالفتات لتمويل اللوائح أو شراء الترشيح من رئيس هذا الحزب أو ذاك.
الهدف أسمى من المال. هي انتخابات رجال الأعمال والمتمولين، الذين لو تمكنوا جميعاً من الفوز بالمقعد النيابي، فسيشكلون مع أقرانهم الحاليين، نحو 43 بالمئة من عدد نواب المجلس الجديد. هذه السمة ستكون هي الطاغية على حساب التشريع والرقابة، ما سيفرض تغييراً تدريجياً في مجلس النواب، من مجلس مشرّعين الى مجلس رجال أعمال ومتمولين.
سياسياً، يركز تيار المستقبل في خطاباته على التحذير من حصول حزب الله وحلفائه على 43 نائباً يشكلون ثلث مجلس النواب. حسبة بسيطة تؤكد أن حزب الله وحركة أمل والمردة والقومي الديموقراطي والمستقلين من حلفائهم، ليسوا بعيدين عن تحقيق هذا الرقم. أحمد الحريري حذّر من السماح بذلك، لأنه بحسب قوله يشكل شرعنة لقرصنة الحزب على مرافق الدولة، وبالتالي التحول من السيطرة على البلد بالسلاح غير الشرعي إلى السيطرة عليه من ضمن المؤسسات.
أما حزب الله، فيخوض الانتخابات مستنداً إلى قدرته، مع حليفته حركة أمل، على رفع الحاصل الانتخابي في الدوائر المشتركة، بما يصعّب مهمة المنافسين، ولا سيما في الجنوب. لكنه، في المقابل، يخوض معارك شرسة للمرة الأولى، وخاصة في عرينه بعلبك ـــ الهرمل، ساعياً إلى حصر الخرق بمقعد واحد أو بمقعدين من عشرة، مستعيناً بذلك باتهام خصومه بأنهم حلفاء داعش والنصرة، مقابل اتهامه من هؤلاء باستغلال دماء الشهداء وسلاحه للسيطرة على المنطقة. أما المعركة الاستثنائية التي لا تزال نتيجتها غير واضحة، فيخوضها الحزب في دائرة كسروان جبيل بمرشح ملتزم، ومن دون حليفه التيار الوطني الحر، صاحب التمثيل الأكبر في المنطقة، والذي فضّل التخلي عن حليفه بذريعة أنه ليس «ربّيحاً» في منطقة تضم ثقلاً مارونياً هو الأكبر في لبنان وتمثّل بسبعة مقاعد مارونية.
كما حزب الله، فإن كلاً من أمل والمستقبل والتيار الوطني الحر يواجهون تحدياً جديداً يتمثل بتوزيع الأصوات التفضيلية في اللوائح التي يشاركون فيها بأكثر من مرشح. تلك معركة ستؤدي بالنتيجة إلى كشف القدرة التجييرية لكل حزب بشكل دقيق، ما سيؤشر إلى الأحجام الفعلية للأحزاب.
في المقابل، يخوض المستقبل معركة الحفاظ على كتلة كبيرة في مجلس النواب. وبالرغم من أن هذه الانتخابات ستبقي على زعامة الحريري للطائفة السنية، إلا أنها ستؤدي إلى انتهاء مرحلة احتكاره لتمثيل الطائفة، حيث يتوقع أن يكون لمنافسيه حضور بارز في المجلس، وأبرزهم نجيب ميقاتي وعبد الرحيم مراد وأسامة سعد وجهاد الصمد وأشرف ريفي وفيصل كرامي وجمعية المشاريع... كذلك سيكون «المستقبل»، للمرة الأولى منذ عام 2000، غير متفرّد بتمثيل بيروت أو طرابلس، وهما اللتان تشكلان الثقل السني الأكبر في لبنان.
نعم، معركة زعامة الطائفة السنيّة، لا تُخاض فقط في دائرة بيروت الثانية، حتى لو تنافست فيها تسع لوائح انتخابية. ساحتها الأبرز، في دائرة الشمال الثانية (طرابلس ــــ المنية ــــ الضنية)، بين تيار المستقبل من جهة، وتيار العزم من جهة أخرى. يُريد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي أن ينطلق من طرابلس، بكتلة «وازنة»، ليُكرّس نفسه «مرجعية» داخل طائفته وعلى المستوى الوطني. يرفع شعار «خصوصية قرار طرابلس»، في وجه رئيس الحكومة سعد الحريري، الآتي من صيدا، لـ«يكسر» ابنَي البلد: ميقاتي بالدرجة الأولى، وأشرف ريفي بالدرجة الثانية.
انطلاقاً من هنا، أصبحت الشمال الثانية، محطة أسبوعية في برنامج عمل الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري. ويزورها رئيس الحكومة أكثر من مرّة، ضمن جولات «السيلفي». ما يصحّ من معركة لـ«المستقبل»، ضدّ عبد الرحيم مراد في البقاع الغربي، ينطبق تماماً على ميقاتي وجهاد الصمد وفيصل كرامي وكمال الخير في طرابلس والمنية والضنيّة.
هناك معركة زعامة أيضاً، تُخاض في دائرة الشمال الثالثة. أقضية البترون ــــ الكورة ــــ زغرتا ــــ بشرّي، ستشهد مُنازلة صعبة بين «رؤساء الجمهورية» المُفترضين، على من منهم يُثبّت دعائم «الزعامة المارونية» في الدائرة التي تضم النسبة الأكبر من الناخبين الموارنة. تيار المردة، يخوض المعركة ضدّ «العهد»، ومن يُمَثله في الدائرة، الوزير جبران باسيل. رئيس التيار الوطني الحرّ، يريد أن يحصد الرقم الأعلى في الشمال 3، ورفع حاصل اللائحة، ليقول إنّ طريقه إلى رئاسة الجمهورية مُعمّدة بشرعية شعبية وبشرعية «الكتلة المسيحية الأقوى». هي «ميني معركة» وجودية بالنسبة إلى بطرس حرب. ولكن، في ما خصّ القوات اللبنانية وسمير جعجع، الهدف واضح: الشمال قلعة قواتية.
أما في دائرة كسروان ــــ جبيل، فواضحٌ من خلال خطابات جبران باسيل أنّ «العهد» يخوض معركة ضدّ النائب السابق فريد هيكل الخازن، ومن خلفه تيار المردة. «وارث» مقعد ميشال عون، يُفترض أن يكون العميد المتقاعد شامل روكز. ولكنّ، القوات اللبنانية تُعوّل على القانون النسبي، لتلِج للمرة الأولى إلى هذه الدائرة، مُستفيدةً من تحالفها مع رئيس بلدية جبيل السابق زياد حواط. أما العنوان «الأهمّ»، فسيكون تشكيل درع وقاية في كسروان ــــ جبيل حول الخيار السياسي للمقاومة، من خلال مُساعدة لائحة التضامن على نيل الحاصل الانتخابي والفوز بمقعد حسين زعيتر.

التيار يخوض معركة الرئاسة على هامش الانتخابات النيابية


للتيار الوطني الحر هدف عمل له طوال فترة الانتخابات. كتلة مستقلة وسطية تكون سنداً نيابياً للعهد، وتسمى كتلة لبنان القوي. لكنه في سبيل ذلك، رسم خريطة تحالفات لا تركب على قوس قزح عنوانها، على ما أعلن جبران باسيل من كسروان: إسقاط المتآمرين على العهد. مع الجماعة الإسلامية ومع جمعية المشاريع. مع حزب الله ومع المستقبل. مع حركة أمل ومع «المجتمع المدني»، من دون نسيان المتمولين الحاضرين بقوة في لوائح التيار.
لم يصمد الاتفاق بين العونيين والقوات إلى حين الانتخابات النيابية. بعد الانتخابات الرئاسية ظهرت التشققات، فكانت النتيجة أن تحالفات التيار التي اتسعت للجميع، لم تستثن سوى القوات والمردة. الأخير يعود الخلاف معه إلى يوم رشّح الحريري سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. هذان الاستثناءان لا يمكن ربطهما سوى بمعادلة وحيدة: الانتخابات الرئاسية المقبلة والتي يسعى إليها سليمان فرنجية وسمير جعجع وجبران باسيل، وحتماً غيرهم من الموارنة، وهم كثر. باسيل سيدخل إلى المجلس النيابي نائباً بعد محاولتين فاشلتين في 2005 و2009.
مع ذلك، فإن جعجع قد يكون الرابح الأكبر من القانون الانتخابي الجديد، حيث يتوقع أن يحصل على كتلة أكبر من كتلته الحالية. أما حزب الكتائب، التائه بين المجتمع المدني والسلطة قبل أن يستسلم لمصلحته، فيتحالف مع القوات في زحلة وفي دائرة الشمال الثالثة، خلافاً لإعلانه سابقاً أنه سيخوض الانتخابات في وجه أركان السلطة.
الحزب التقدمي الاشتراكي، سيعود إلى مجلس النواب بكتلة أصغر من كتلة 2009، لكن مبتعداً عن حليفه المستقبل لمصلحة الاقتراب من «حزب الله» و«أمل»، اللذين أبديا حرصاً استثنائياً على دوره وتمثيله أثناء مفاوضات قانون الانتخاب ومن خلال التحالفات وخصوصاً في العاصمة.
سمة انتخابات 2018 هي ما يسمى «المجتمع المدني». المصطلح الذي صار صفة عقب أزمة النفايات في عام 2015 ونزول الآلاف إلى الشوارع رفضاً لخطط الحكومة، تحول مع الوقت إلى هيكل سياسي يهدف إلى التغيير. صحيح أن هذا الهيكل ليس موحداً، إلا أنه استطاع أن يفرض حضوره في كل الدوائر، وبلوائح تضم أكثر من 200 مرشح في كل لبنان، 66 منهم منضوون في لوائح «كلنا وطني»، مع فرصة جدية بالانتقال من ساحة رياض الصلح التي شهدت معظم التظاهرات المواجهة للحكومة إلى ساحة النجمة، حيث مجلس النواب. تلك الساحة التي ظلت عصية على المعتصمين، الذين واجهتهم القوى الأمنية عندما أرادوا الدخول إليها بالرصاص الحي.