منذ ساعات الصباح الأولى، دأبت ماكينة «الغد الأفضل» وماكينات حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحرّ والحزب السوري القومي الاجتماعي على العمل. غالبية ناخبي لائحة «الغد الأفضل» مع ساعات بعد الظهر، كانوا قد أدّوا واجبهم الانتخابي، وعادوا إلى بيوتهم. قلّة قليلة بقيت حتى ساعات المساء. على المقلب الآخر، لم يزحف ناخبو تيّار المستقبل للانتخاب «أفواجاً» كما كانت الحال أيّام «زي ما هيي»، يوم كان دم الرئيس رفيق الحريري لا يزال مادةً للتحريض ضد الآخرين وللعطف على وريث الدم.

بحسب مصادر ماكينتي مراد وحركة أمل، كان تيار المستقبل قد قسّم ناخبيه على دفعتين: الأولى تنتخب في الصّباح، بعدها يراقب المستقبليون لمن سيصبّ حزب الله وأمل أصواتهما. إن كان الاتجاه لدعم عبد الرحيم مراد، فإنها الفرصة المناسبة للانقضاض على مرشّح أمل، محمد نصرالله، ودعم النائب أمين وهبة على لائحة المستقبل. الثانية، إن ترك حزب الله مراد وحيداً مع أصواته فحسب، فإنه سيكون هدفاً سهلاً ويقوم المستقبل عندها بضخّ أصواته لمصلحة مرشّحيه السنيين: زياد القادري ومحمد القرعاوي. حسابات يسخر منها القيّمون على الماكينات المنافسة. لسبب وحيد، أن أزمة الحريري وتيار المستقبل ليست مع منافسيه، بل مع جمهوره ومسؤولي تياره ونوّابه...!
ليل أوّل من أمس، كادت تقع «الواقعة» بين المرشّحين على لائحة الحريري، بعدما استعر الخلاف على أصوات الجماعة الإسلامية وكيفية تقسيمها بين النوّاب وائل أبو فاعور وزياد القادري والقرعاوي. استدعى الأمر تدخّلاً من الحريري بعد منتصف الليل، واتفاق على تقسيم الأصوات مثالثةً. وُعدَت الجماعة الإسلامية بمدير عام في الدولة بدل أصواتها. هذه عيّنة عن الأزمة. كيف يمكن للوزير جمال الجرّاح، الذي استبعد من الترشّح، طمعاً بأصوات إضافية قد يأتي بها القرعاوي، أن يعمل بإخلاصٍ للائحة كان يصرّ أمام الحريري أنها فاشلة؟ من مصلحة الجرّاح أن يسقط منافسه، كما حصل أمس. فوزير الاتصالات كان الشخصيّة الأبرز لتيار المستقبل في البقاع، من العرقوب إلى عرسال والبقاع الشّمالي. وهو حاضرٌ في البقاع الغربي أكثر من زملائه. حسابات خاطئة للحريري أيضاً. أمّا القادري والقرعاوي، كلٌ من موقعه، فكان يخشى في داخله من فوز مراد. تلك معادلةٌ تكفي ليكون معيار كلّ مرشّح «يا ربّي نفسي».
أزمة المرشّحين آخر أزمات الحريري. منذ عام 2005، قطع الحريري أهل البقاع الغربي عن سوريا. هؤلاء، إمّا تجّار أو موظفون أو مزارعون أو... مهرّبون! وفي كلّ الأحوال، سوريا رئة بالنسبة إليهم. للتجار، هي سوق ومصدر، وللموظّفين هي السوق الذي يفرّون إليه من توحّش السوق اللبنانية التي، وبفضل الحريري الأب، باتت الأغلى بين دول المحيط، وللمزارعين هي مصدر للبذور والعلف والأدوية وسوق لبيع المحاصيل، أمّا للمهرّبين، فهي كل شي. شهَر الحريري الابن عداءه لسوريا، ولم يقدّم بديلاً.
بعد عام 2011، راكم الحريري أخطاءه، بعدما استمر في عدائه لسوريا. بعد سبع سنوات من عمر الأزمة السورية، هُزم مشروع الحريري وحلفائه في سوريا، ومجدداً، دفع البقاعيون الثمن!
دخل الحريري في تسوية سياسية أعادته إلى رئاسة الحكومة، لكن من يعوّض على «الضحايا»، خصوصاً البقاعيين؟ لا أحد. حتى قانون العفو العام الذي حاول الحريري بيعه لناخبيه، لم يلتزم به، وبدل ذلك بات أحمد الحريري يتدخّل مع القضاة عبر الهاتف. أمّا مسؤولو تيار المستقبل، فأخبارهم على ألسنة مناصري التيار الأزرق. ذاك يبحث عن ثروة ويتقاتل مع من كان قبله، وذاك يغيب في بيروت أشهراً.
بالمناسبة، الحريري الابن رئيس وعراب أكثر من حكومة منذ 2005، ووالده كان قبله رئيساً للسلطة التنفيذية لعقد ونصف، ولا مستشفى حكومياً في البقاع الغربي. أبو فاعور افتتح مستشفى في خربة قنفار، لكنّه ليس لكلّ البقاع الغربي. حتى مؤتمر «سيدر» الأخير، نسي الحريري أن يُدرج فيه مشروعاً للبقاع الغربي.
لا هم. انقضت الانتخابات أمس. وحصد مراد ما زرعه على مدى السنوات الماضية. مراد ومؤسساته، وحركة أمل ومجلس الجنوب الذي امتد من الجنوب إلى البقاع الغربي ليقوم بالمشاريع الإنمائية، وأبو فاعور الذي حضر في القرى ذات الأغلبية السنيّة مثلما هو حاضر في راشيا.
البقاع الغربي وراشيا أمام مرحلة جديدة، من الآن فصاعداً. كان مراد محاصراً وجرت محاولات عديدة لانتزاع مؤسساته منه، وحصاره بالأمن والسياسة والخدمات، ومع ذلك نجح في إثبات قوّته... وغداً يوم آخر.