فوجئ اللبنانيون أمس بأن الانتخابات ليست انتخابات. وأن هناك ما يسمّونه بالمال الانتخابي، وأن هناك عنفاً وضرباً وأحياناً إطلاق نار. فوجئوا بأن الانتخابات ليست ديموقراطية، وأنه لا يوجد شيء اسمه ديموقراطية، وأن إحدى الجمعيات التي تراقب الانتخابات، استطاعت وحدها، توثيق 3482 مخالفة. وفوجئوا بأنفسهم، وبصورتهم. كأن كل هذا لم يكن متوقعاً. لكن سرعان ما تبين أن هذا كله معقول ومعتاد، والبيئة اللبنانية قادرة على بلعه. حتى صارت الساعة التاسعة تقريباً، وفوجئ الجميع برئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية، يخرج في رسالة متلفزة، ويقيّم الانتخابات. ثلاثة أشياء ــــ على الأقل ــــ لافتة في الرسالة.

أولاً، الحديث عن 14 آذار، إذ بدأ قائد القوات اللبنانية حديثه، بأن نبّه الجميع إلى ما أسماه مناخ 14 آذاري. وهي لافتة تستحق التنويه، ليست لأنها إشارة نوستالجية وحسب، بل لأنه وللوهلة الأولى، لا أحد من المتابعين يمكنه أن يفهم، من أين استحضر جعجع أرواح 14 آذار. ببساطة 14 آذار حدث مفصلي وشخصي بالنسبة لجعجع. 14 آذار خارج المخيال الذي صُمِم على مقاسها، ليست أكثر من لحظة استلاب في أفضل الحالات، واشتغال على عاطفة جماعات منهكة ويائسة، بفعل حصار اقتصادي حريري طويل، كان مدعوماً بحصار أمني. لكن هذا شيء، و14 آذار بالنسبة لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية شيء. فاللحظة شخصية وخاصة. وهو صادق بلا شك عندما يتحدث عن أمل سببه 14 آذار. فالأمل الذي يتحدث عنه، هو أمل شخصي. حدث لم يكن في الحسبان، لمن يفترض، أن حياته السياسية انتهت في السجن، بعد الحرب. وربما لذلك، يتحدث سمير جعجع، عن 14 آذار، بمناسبة أو من دونها، كما فعل أمس، في كلمته القصيرة، والتي لم يفهم أحد سببها لولا الجملة الاعتراضية التي أضافها عن شبان من القوات قال إنهم أدخلوا إلى السجن.
ثانياً، وهذه نقطة أساسية، «السجن. شبابنا بالسجن، والسجن للرجال، وجرّبناها»، وعبارات قائد القوات المشابهة والتي قالها مزهواً. ما يثير الإعجاب أيضاً، هو ثقة جعجع ومعرفته، بأن قصة المال الانتخابي لم تعد مسلية، ولم تعد تستهوي أحداً، لكثرة ما صارت مكررة، لا بل منشورة في كل مكان، بمعزل عن صحتها، وعن أهلية الجهات التي تدقق بها. مرّ عليها عرضاً. ما يثير الإعجاب، هو إعجاب جعجع نفسه بنفسه، وبماضيه تحديداً، عندما يتحدث عن السجن، ويرفع من نبرة صوته قائلاً: السجن للرجال؛ بينما يتبنى حزب القوات اللبنانية مشاريع في البرلمان من أجل حقوق المرأة، يعرف جميع المتابعين أنها في خلفيتها مشاريع لرسم صورة جديدة للقوات. والحق، أنه للقوات هذا الحق، بأن ترسم صورة جديدة لنفسها. وما يهم هو الإطار الذي توضع فيه هذه الصورة، التي يمكن استبدالها، عند أول لحظة تخلٍ. والحق أن جعجع، لا يمكنه الانسلاخ عن بيئته وعن قواعده، وهذا في السياسة اللبنانية شائع ومفهوم، ويجد مسوغات تتجاوز العوامل السياسية إلى الاجتماعية. غير أن جعجع، لا يستطيع الانسلاخ عن ماضيه أيضاً، إذ ذكّر بأنه جرّب السجن، وبأنه قائد القوات، وقائد هؤلاء الشباب الذين أدخلتهم القوى الأمنية إلى السجن (الفيديو عرض على التلفزيون). وهو بذلك يقيم جسراً بين ماضيه، وبين الحاضر، وبينه وبين مناصريه. جسر العودة. لقد كان فخوراً بصورتهم على حقيقتها، ودافع عن هذه الصورة التي يحبها، بوصفها امتداداً لصورته. وهنا، من الإنصاف القول: حلو الوضوح.
ثالثاً، دير الأحمر. معقل القوات ولا أحد يحتاج إلى انتخابات ليعرف هذه الحقيقة. ربما ما يحتاج الجميع إلى معرفته فعلاً هو علاقة دير الأحمر بمحيطها قبل القوات وبعدها. والقوات، بصفتها ميليشيات سابقة، لا تقوم من دون أرضية، أو من دون وجود معاقل. وهذا يدعو جعجع إلى الخروج بهيئة المنتصر في انتخابات، مقتنعاً بذلك، ومادحاً السجن وتصرف الشباب الذين أخذوا على عاتقهم تسوية الأمور على طريقتهم. في النهاية القوات لديها منهج. ربما، من الانصاف القول، إن من هم في دير الأحمر، أو في بشري، أو حتى في زحلة، عندما اختاروا جعجع قائداً لهم، أو عندما يختارونه، يعتقدون أنه على صورتهم، وأنه امتداد لهم. وفي هذا هم يشبهون الذين يختارون زعمائهم في كل لبنان. وربما كان ذلك صحيحاً في وقتٍ سابق، من دون أن يعني هذا تزكية أحد أشد الخيارات طائفية في تاريخ لبنان المعاصر. لكن، الآن، وبوضوح تام، انقلبت الصورة، وصار هذا الجمهور الصغير امتداداً لصورة جعجع. ما هو لافت، أن جعجع، يسجّل موقفاً صريحاً باستعادة الماضي. الماضي الذي لا أحد يحب استعادته. لقد أعلن جاهزيته التامة لإعادة الصورة إلى مكانها.