خاضت دائرة الشمال الثالثة (بشري، زغرتا، البترون والكورة) معركة الانتخابات النيابية، بعنوان «رئاسة الجمهورية». هي «فرصة» كلّ من سليمان فرنجية وجبران باسيل وسمير جعجع لـ«تثبيت الزعامة». ومرحلة تحوّل البترون، إلى لاعب رئيسي في الشمال، بعد أن عاشت طويلاً تحت عباءة زغرتا. جزء من بشرّي، أراد «كسر حصار» القوات اللبنانية. لكلّ واحد من هذه الأقضية، «خصوصية» وعنوان انتخابي، إلا أنّ التركيز كان على الكورة، التي تنافست فيها كلّ القوى.

أمام محلّه، على الطريق البحرية في أنفة (الكورة)، يجلس رجلٌ مُرتدياً لباساً صيفياً أزرق. «أين يقع منزل فريد مكاري؟». يقترب من السيّارة ليسمع السؤال، فيردّ: «من هنا (يُشير إلى المفرق يميناً)، ولكنّه (مكاري) موجود حالياً في الثانوية». اسم المدرسة «جبران مكاري. ما هنّي بيت مكاري آخدين كلّ أنفة لإلن»، يقول الرجل بحنقٍ يوحي بأنّه «ثائر» على هذا الواقع. كلّا! «انتخبنا يللي بدّو ياه»، من دون أن يُبرّر السبب.
في باحة الثانوية التي يحمل شهرتها، يقف نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، مُحاطاً بـ«قرابتي»، و«عضام الرقبة»، و«الجار»… كما يُنادي الناخبين الذين يقتربون لمصافحته، ربما لآخر مرّة… كنائبٍ. في ظلّ ما تسمى «مرحلة الوصاية السورية على لبنان»، و«المقاطعة المسيحية»، وفترة ما بعد اغتيال رفيق الحريري، لم يسبق لمكاري أن انسحب من المشهد، ترشيحاً. على مرّ السنوات، عرف «دولته» كيفية اقتناص الفُرص، من أجل أن يُحوّل نفسه إلى «حالةٍ» في قضاء الكورة. هو الذي ينتمي إلى عائلة يبلغ تعدادها عشرون شخصاً، ستّة منهم من الأطفال والرضع. «كتلة شعبية»، قادرٌ أن يُوجّه (بالمبدأ) «هواها» الانتخابي. ولكن لمكاري اليوم «مُخطط» آخر. يريد أن يتحول إلى «مرجعيّة»، في الكورة. عدم ترشّحه إلى الانتخابات، يصبّ في هذا الإطار. لم يُرد أن يضع يده بيد التيار الوطني الحرّ، هو الذي سعى سابقاً إلى التوفيق بين تيار المستقبل وتيار المردة والقوات اللبنانية، فجاءت رياح سعد الحريري عكس ما تشتهي سُفُنَه. أدرك أنّ «العهد القوي»، لن «يسمح» له بكسب مقعد «نائب رئيس مجلس النواب» مرّة جديدة. ما العمل؟ «تبنّي» ترشيح النائب نقولا غصن، بكلّ ما أوتي مكاري من قدرات، تحضيراً ليورث «مقعد البيك» إلى ابنه نبيل الثلاثيني.

يُخبر بطرس حرب عن مغترب دفعت «القوات» ثمن بطاقة سفره، فانتخبه


«طرأت ظروف استدعت أن أنخرط بالمعركة الانتخابية»، يُجيب فريد مكاري ردّاً على سؤال «الأخبار»، عن سبب تبدل موقفه، وتحديداً تعهده السابق بأن لا يتدخل بالانتخابات. يقطع الحديث مع نائب الكورة، «واتساب» يصله من الوزير جبران باسيل. «نسبة بلدة الهري متدنية». فيُبادر مكاري إلى الاتصال بأحد الأشخاص، طالباً منه الحشد في الهري. يُخبر أنّ «الشُغل مع قواعدي لمُرشح آخر أمرٌ صعب جداً». ولكن، «إذا لم أدعم أحداً، أُلغي وجودي من الساحة. إذا كان ابني راغبٌ بأن يترشح، في الدورة المقبلة، يجب أن أُحافظ له على القاعدة». الحماسة التي يُظهرها مكاري للانتخابات، غير موجودة لدى تيار المستقبل، ومُرشحه نقولا غصن. «دايماً كنت أنا مستلم الكورة»، يُجيب مكاري، الذي يملك قاعدة مُشتركة مع القوات اللبنانية، قسمّ منها استماله مكاري، والقسم الآخر «ضُبط». إلا أنّ ماكينة «القوات» تبدو مرتاحة لوضعها، «المقعد مضمون، على عكس المقعدين الثاني والثالث، ولكن نعمل لنكون الرقم واحد».

في أميون.. نقمة قومية!
في دائرة الشمال الثالثة، اعتُبرت درجة المُنافسة الانتخابية في الكورة، مُرتفعة أكثر من بقية الأقضية. السبب، وجود «توازن» بين مُرشحي السلطة، ومنافسة داخلية في اللائحة الواحدة! أميون، العاصمة السياسية والإدارية للقضاء، كانت أمس تُشبه يوم أحدٍ عادي. رتابةٌ لا يكسرها مرور سيارات تحمل أعلاماً حزبية، والاتهامات المتبادلة بدفع الرشى الانتخابية. في «بلاد الزوبعة»، كانت النقمة مرتفعة من مناصرين للحزب السوري القومي الاجتماعي ضدّ حزب الله وحركة أمل، اللذين قرّرا منح أصواتهما التفضيلية لمُرشح تيار المردة فايز غصن، وليس «الأمين» سليم سعادة. استدعى هذا الأمر أن «نُقيم عدّة حلقات، للحزبيين، نُركز فيها على ضرورة أن نصنع فوزنا بأنفسنا»، بحسب مصادر الماكينة القومية. تزامن ذلك، مع شدّ العصب حول سعادة، إنطلاقاً من أنّ «حضورنا وكرامتنا وتاريخنا ومستقبلنا بخطر، إمّا أن نتلهى بالحساسيات أو نتوحد». وقد نجح هذا التكتيك «في الحشد قومياً، على رغم أنّنا بدأنا الحملة متأخرين. حتى أن الأمين سليم أخذ الموضوع بجدية كبيرة. لا خوف على بلوك أصواتنا».
لا يلقى هذا الكلام صدى لدى تيار المردة، «المُطمئن» إلى وضع وزير الدفاع السابق. فايز غصن مُرتاح إلى درجة أنّه تمكّن من أخذ قيلولة بعد الغداء. استُنفرت ماكينة «المردة» في الأسبوعين الماضيين، لإنجاح غصن، حتى ولو استدعى ذلك الغرف من القاعدة القومية. «هناك قاعدة مشتركة عملنا عليها. ومن سبق يشمّ الحبق. هي منافسة شريفة داخل اللائحة، ونحن والقومي واحد».

القوات تدفع وحرب يقبض
إشكالية الصوت التفضيلي، تجد موطئ قدمٍ لها، أيضاً، في البترون بين فادي سعد (القوات) وسامر سعادة (الكتائب). «إشاعات» كثيرة انتشرت أمس عن نيّة «الكتائب» تجيير أصوات سامر سعادة لمصلحة سعد، وهو ما نفاه الكتائبيون. فسعادة «يخوض معركة حصد رقم كبير، ليعود إلى البترون ويُثبّت زعامة آل سعادة والكتائب». توحيد أصوات حزبَي الكتائب والقوات، كان من شأنه أن «يُهدّد» جدياً، موقع النائب بطرس حرب. زحمة الانتخابات في تنورين، وسوء تنظيم السير، أدّيا إلى احتجاز الناس في سياراتهم طويلاً. في الشكل، «الكلّ» متواجد هنا: التيار الوطني الحرّ، القوات اللبنانية، وحرب. ولكن، معركة «ابن تنورين» الرئيسية، ليست مع التيار العوني والوزير جبران باسيل، «ضامن» المقعد، بل مع حليفه السابق، سمير جعجع. «هي معركتي ضدّ كلّ من يريد مصادرة حريّة اللبنانيين»، يوضح حرب، الذي كان يشتكي من المال الانتخابي وتركيز «الخصوم» على البلدات ذات الغالبية السنّية في البترون. ولكنّه يضحك، حين يُخبر عن أحد المغتربين الذي دفعت «القوات» ثمن بطاقة سفره، فانتخبه! الأمر نفسه، تكرّر مع أحد المغتربين في زغرتا، الذي ما إن وصل إلى لبنان ببطاقة دفعت ثمنها «القوات»، حتى ارتدى قبعة المردة وصوّت لطوني سليمان فرنجية.