حاول وزير الداخلية أن يوفّق بين الموقعين. أن يكون مرشحاً للنيابة في دائرة بيروت الثانية، وأن يحافظ على حياده في الداخلية. عملياً، تحولت وزارة الوزارات الى غرفة عمليات، اختلط فيها حابل الدور الرسمي بنابل وقائع الدائرة البيروتية الثانية.

أكثر من خمسين صحافياً في الداخلية. زحمة موظفين وغرفتا عمليات، واحدة أمنية وأخرى إدارية، لتلقّي الشكاوى ورفعها الى المسؤولين لمعالجتها (الحصيلة أكثر من 3500 شكوى). تبدأ الشكاوى من «أين انتخب» الى «ما لقيت اسمي على لوائح الشطب»، لتخرج عن اختصاص المعنيين بالعملية الانتخابية أمنياً، مروراً بشكوى من رشى وضغط على ناخبين الخ...
عند الثامنة والنصف مارس وزير الداخلية حقه في التصويت. بعدها، قصد وزارة الداخلية لممارسة مهماته كوزير. اجتماعات للتأكد من حسن سير العمل. استقبال رئيس الجمهورية ميشال عون لمدة 45 دقيقة ترأس خلالها الأخير اجتماعاً للقادة الامنيين واستمع الى شرح مفصل لعمل غرفة الشكاوى ولآلية إصدار النتائج في مرحلة لاحقة.
قبل الظهر، كانت وزارة الداخلية مصدر الخبر الرئيسي لوسائل الاعلام، لكن ما إن بدأ نهاد المشنوق جولته الرسمية التي قادته من الشمال إلى الجنوب مروراً بالجبل والبقاع، حتى دخلت الوزارة في مرحلة هدوء كانت تتم خلالها متابعة مجريات العملية الانتخابية من خلال النقل المباشر لمحطات التلفزة.
في قاعة الشهيد وسام الحسن، أقيمت غرفة العمليات وتلقّي الشكاوى. العميد الياس خوري ومجموعة من المسؤولين الامنيين يتلقون الشكاوى الامنية ومديرة شؤون اللاجئين فاتن يونس وفريق عمل من المديرية يتابعون الشكاوى الادارية. لم تكن قد وصلتهم بعد شكاوى خطيرة «شوية أخطاء في لوائح الشطب واستفسارات وإطلاق نار في الهواء»، ما يعني أن العملية الانتخابية حتى الثالثة بعد الظهر كانت تسير على ما يرام، حسب المعنيين بغرفة الشكاوى الأمنية.
بعد الرابعة عصراً، أقفل باب غرفة الصحافة على الصحافيين. عاد المشنوق من جولته. دقائق قليلة ويوافيه نادر الحريري وباسم السبع. اجتماع مطول، غادرا بعده كما دخلا، أي من الباب الخلفي للوزارة، بحيث لم يلحظ أحد من الإعلاميين دخولهما. وجوه المحيطين بوزير الداخلية كانت تشي بانزعاج كبير من تدنّي نسب المقترعين السنّة في بيروت الثانية. خطاب شدّ العصب الذي تولاه وزير الداخلية ضد «الفرس» لم يفعل فعله.

«شوية أخطاء في لوائح الشطب واستفسارات وإطلاق نار في الهواء»


الشكاوى «صارت بالآلاف» ومن كل الدوائر، وبينها تضارب وإطلاق نار. أجواء من الإرباك بين الموظفين. توقفت غرفة العمليات عن تزويد الصحافيين بنسب الاقتراع وأخبار الشكاوى. إرباك وارتباك ووجوه متجهمة. بين نجاح مهمته كوزير للداخلية وبين الهم الانتخابي البيروتي المضني، قرر المشنوق أن يختفي عن المشهد ليلاً قبل أن يطل عند الثانية عشرة ليلاً. زاد الطين بلة ما كان يرده من تقارير عن نتائج الصوت التفضيلي في عدد من أقلام العاصمة. افترض شيئاً وجاءت النتائج معاكسة. ساعات ثقيلة أمضاها وزير الداخلية في مكتبه يجري مشاورات معظمها قانونية لإصدار قرار بتمديد مهلة فتح صناديق الاقتراع. أسباب التمديد كانت أكثر من أن تحصى وتعد، وهي موجبة عملياً، لكن الرأي القانوني في الوزارة وخارجها كان حاسماً: الطعن ممكن في التمديد، وبالتالي بكل نتائج الأنتخابات.
ليلاً، أطلّ وزير الداخلية في مؤتمر صحافي مقتضب، استهله بشكر كل فريق الوزارة وكل المؤسسات العسكرية والأمنية والجهاز القضائي في وزارة العدل، وكل من كان شريكاً في ما سمّاه «العرس الديمقراطي». وصفه بأنه «يوم أبيض انتخابي»، رغم بعض المخالفات (قال إنه لا قتلى ولا جرحى ولا حوادث جدية ولا إقفال لأي من مراكز الاقتراع). النسبة النهائية للاقتراع في كل ​لبنان​ بلغت 49.20 في المئة. النسبة الاعلى في التصويت كانت في دائرة الشمال الثانية (طرابلس والمنية والضنية)، والأدنى في بيروت الاولى. عدد الاتصالات التي وصلت الى غرفة العمليات 7000 اتصال، بينها استفسارات ومسائل تفصيلية، و90 برقية أمنية بالاشكالات.
وأعلن المشنوق أنه «بعد ساعات (فجرا) ستصدر النتائج الرسمية، مشيراً إلى أن بين أسباب التأخير بدء فرز صناديق المقترعين في الخارج والموظفين، وهم حوالى 70 الفاً. في الختام، قال المشنوق «غداً يوم آخر، وستبدأ حياة نيابية جديدة، وهناك شيء جديد»، واعداً بأن يعطي رأيه السياسي في المجريات الانتخابية من منبر النيابة وليس الوزارة.