لم يمر على النائب ميشال المر منذ نحو خمسين عاماً يوم كالذي عاشه يوم أمس، رغم بروز تعاطف متني كبير معه. ولا سبق لنجل أي نائب أن فعل ما فعله الوزير السابق الياس المر بوالده. إذ لم يكن ينقص المر في خريف حياته السياسية سوى أن يمسكه الياس بيده ليدخله الى مركز الاقتراع في بتغرين ويتولى هو بنفسه وضع العلامة على اللائحة عوضاً عن والده، موحياً بأن النائب المر غير مؤهّل للاقتراع بمفرده.

سامي الجميّل مرشح الكتائب الأوحد والمناصرون غير مرتاحين لنبض الأرض(مروان طحطح)

الفضيحة هذه كانت مسك ختام «الثورة» التي بدأها الوزير السابق منذ نحو شهر تقريباً، يوم قرر ترك مهمته «الإنقاذية» في الانتربول متفرغاً لإنقاذ الشعب المتني، وإذا به يشارك والده الصور الاعلانية، ويصرّح بأنه «المستقبل»، ويعد المتنيين بأنه سيشرّع لهم في المجلس النيابي في حال فوز والده ويأتيهم برؤساء بلديات «نضاف»؛ وكأنّ الريّاس الذين يتربعون على عرش غالبية بلديات المتن منذ أكثر من عشر سنوات لم يوصلهم المر الأب ولا منحهم الضوء الأخضر لترهيب المواطنين وابتزازهم. وهؤلاء، حتى البارحة، لم يوفروا طريقة لممارسة سطوتهم إلا ونفذوها. فمنذ ساعات الصباح الباكر، أقفل «كاوبوي» أنطلياس الريّس ايلي أبو جودة، المحسوب على المر طبعاً، الطريق المؤدي الى مدرسة أنطلياس الرسمية عبر ركن إحدى سيارات البلدية بالعرض في أول طلعة أنطلياس ـــ الرابية مقابل مطعم السنيور. وهنا تولى عنصران من البلدية غربلة السيارات، مع المر تمرّ وضده يسير الركاب مشياً على الأقدام في طلعة قاسية لمسافة 300 متر، حتى لو كان عجوزاً أو من ذوي الاحتياجات الخاصة. تلك هي «النظافة» بحدّ عينها. أما ماكينة المر ومندوبوه، فتشكلوا بمعظمهم من موظفي البدليات الموالية له، فيما خسارة المر الأكبر كانت في ابتعاد رئيس بلدية الجديدة ـــ البوشرية ـــ السدّ عنه للانضمام الى صفوف التيار الوطني الحر، وللمرة الأولى غابت صور «دولته» من شوارع الجديدة ـــ البوشرية ـــ السدّ لتحلّ مكانها صور كبيرة للنائب إبراهيم كنعان.

الإشاعات تربك التيار
خلخل الصوت التفضيلي أعمدة التيار العوني القوية في المتن الشمالي، لا سيما مع إعلان مراسلة المؤسسة اللبنانية للإرسال، صباحاً، أن تعليمات صدرت من القصر الجمهوري بالاقتراع لمصلحة المرشح إدي معلوف. وهو ما نفته لاحقاً مصادر القصر، من دون أن يصدر بيان رسمي، تبعه نفي من النائب إبراهيم كنعان وآخر على صوت المدى التابعة للمرشح الياس بو صعب. فالمفترض أن تقسم أصوات التيار على المرشحين الثلاثة، لا أن تصبّ في خانة مرشح واحد.
أثار ضعف اقتراع الطاشناق قبيل الظهر توتر ماكينة التيار الوطني الحر

هكذا تحدث البعض عن «هجمة» لمؤازرة معلوف على أساس أن كنعان «طالع طالع» وبو صعب «مأمّن أصواتو»، فيما رأى البعض الآخر أن هناك رغبة في «قصقة جوانج الرؤوس الكبيرة» في التيار. وعليه، بدأت المساعي في بعض بلدات الساحل والمروج وبسكنتا من أجل إعادة التوازن الى اللائحة عبر إبلاغ الناخبين العونيين أن المرشح الكاثوليكي ضمِن أصواته، ويجب الاقتراع للمرشحين الآخرين، لا سيما إبراهيم كنعان الذي خسر الكثير جراء الدعاية الخاطئة، فيما كان لافتاً أن هيئة المتن التي أتى بها كنعان وكان منسّقها هشام كنج محسوباً عليه، عملت لمصلحة معلوف، بتوجيهات رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الضمنية. من جهة أخرى، عاشت ماكينة التيار الوطني الحر ومندوبوها توتراً كبيراً خلال فترة ما قبل الظهر، مردّه الى برودة الاقتراع الطاشناقي الذي وعد لائحة المتن القوي بما لا يقل عن 10 آلاف صوت.

زعيم بكفيا
في بكفيا، «الريح بتصفر كتائب»، ويصعب رصد أي ناخب لا يوالي «الشيخ سامي». هناك كل المحال فتحت أبوابها، ومنذ ساعات الظهر اختلطت رائحة المناقيش بالفراريج المشوية. في أحد الأفران، عين العامل على الفرن وعين أخرى على الطريق. تمرّ سيارة ترفع أعلام قوات، فيهرع الجالسون للتشاور من أين أتت، فالأكيد «مش من عنّا». لا وجود لصور المرشح الكتائبي الآخر الياس حنكش ولا من يذكره بتاتاً. ليس في بكفيا فحسب، بل في مختلف البلدات المتنية، بما يوحي أن كلمة سر بكفيا واضحة في تجيير كل الأصوات لمصلحة سامي حتى ينال العدد الأكبر من الأصوات التفضيلية، فيخرج ليقول إنه «زعيم» المتن وحبيب قلب الجماهير، علماً بأنه حتى بعد الظهر، لم تكن مصادر الكتائب مرتاحة جداً إلى عدد المقترعين و»نبض» الأرض. من جهة أخرى، بدا واضحاً أن حزب القوات ما زال الحزب الأضعف في قضاء المتن الشمالي، والتفاعل معه يقل حماسة بدرجات عن التيار والكتائب، وحتى المر. ورغم توقعات القوى السياسية بألا تحصل لائحة «كلنا وطني» التي يرأسها الوزير السابق شربل نحاس على حاصل، على اعتبار أن لا مكان «للمجتمع المدني» في المتن، كانت لافتة إشارة كثر الى اقتراعهم لمصلحة اللائحة المدنية، اعتراضاً على أداء المسؤولين والأحزاب بشكل عام.