قد يكون الخطأ الأبرز الذي ارتكبته القوات اللبنانية في معركتها الانتخابية، استهدافها للنائب السابق فارس سعيد، وإصرارها على تطويقه وإفشاله، على رغم كل الأدوار التي لعبها في قوى 14 آذار وإلى جانب القوات ورئيسها الدكتور سمير جعجع وإطلاقه من السجن والعفو عنه.

عدا ذلك يمكن القول إن القوات اللبنانية تمكنت من القيام بحملة انتخابية نظيفة، ثبتت فيه استعادتها لحضورها في الشارع المسيحي، من خلال كتلة نيابية تصل إلى 16 نائباً.
لم تكن معركة القوات في عام 2005، إلا خطوة أولى في طريق الألف ميل. كان جعجع في السجن، ولم يكن التحضير للمعركة الانتخابية جاهزاً بما يكفي نظراً إلى الأحداث المتسارعة حينها. في عام 2009، اختلف الأمر، وصار للقوات حضور في الساحة السياسية معززاً بتحالفها مع تيار المستقبل وقوى 14 آذار. لكن السنوات التسع الفاصلة بين تلك الانتخابات والاستحقاق الأخير، جعلت القوات تستفيد من كل الإمكانات المتاحة لها للإعداد لمعركة انتخابية واضحة الأهداف والمعالم، ففعلت قاعدتها الشبابية لا سيما في الجامعات وأطلقت حضوراً متنامياً في الأوساط الشعبية.
فما هو هدف القوات؟ وكيف عملت على تحقيقه؟
أولاً، استعادة الحضور في الشارع المسيحي، بعد تسونامي التيار الوطني الحر منذ عام 2005. وهذه الاستعادة تأخذ معنى مضاعفاً لأن القوات اليوم تعمل على تأكيد شرعيتها المسيحية خلال عهد العماد ميشال عون تحديداً، وخلال إدارة التيار الوطني الحر الانتخابات على قاعدة تشكيل تيار العهد القوي.
تمكنت القوات في السنوات الأخيرة من تفعيل هذا الزخم، بفعل إعادة رسم خريطة أولوياتها، التي بدأتها بالمصالحة مع التيار الوطني الحر. وهذه المصالحة التاريخية سحبت في شكل جدي عوامل التوتر في الشارع المسيحي في لبنان وفي دول الاغتراب، وهذا أمر بات ملموساً لدى المغتربين. والمصالحة أيضاً، سحبت إلى جانب القوات بحسب من رافق مسيرتها، المحايدين والمستقلين الذين يشكلون الكتلة الشعبية الأكثر وزناً، بعدما انتفت أسباب «أبلسة» القوات وشيطنتها.
ثمة معايير أساسية ساهمت في إعادة الاعتبار للقوات في الشارع المسيحي بعد المصالحة، وهو أمر لم يستفد منه التيار في الانتخابات النيابية، في ظل حاجة العماد ميشال عون إلى استكمال الغطاء المسيحي للوصول إلى رئاسة الجمهورية، تخلي الرئيس سعد الحريري عن جعجع كمرشح للرئاسة، مقابل عدم تخلي حزب الله عن عون كمرشح دائم، تفعيل معنى الرئاسة القوية، وإعادة التوازن في الشراكة المسيحية الإسلامية. وهذه العوامل أضفت بعداً جديداً على واقع القوات السياسي، وخطابها في الشارع المسيحي. بصرف النظر عن أخطاء ارتكبتها وجعلت أشد القواتيين حماسة ينتقدونها. وقد يكون ما حصل على طريق العلاقة بين القوات والمستقبل، وانقلاب الأخير على حلفائه ساهم أيضاً في تزخيم الشارع القواتي.
ثانياً الذهاب إلى الأطراف من الباب الواسع. من عكار إلى البقاع الشمالي والبقاع الغربي وتمتين وجودها في جبل لبنان وفي الشوف وعاليه، (على رغم أنها كان يمكنها الاستفادة أكثر بتعزيز علاقتها مع النائب وليد جنبلاط لتزخيم أصواتها لمصلحة المرشح ناجي البستاني بدلاً من إعطاء مقعدين للائحة التيار الوطني الحر) والشمال الثالثة وزحلة. وهذا التوزع الجغرافي، المقصود، بعيداً من المهرجانات والجولات الحزبية الرنانة، فعلت فعلها بهدوء، تحت شعار تأكيد حضور المسيحيين في الأطراف وتصحيح تمثيلهم فعلياً. والأهم أنها استعادت حضورها في جبل لبنان، بفعل مصالحتين مع التيار ومع جنبلاط، فربحت مقاعد نيابية من جبيل إلى كسروان والمتن وعاليه والشوف، وهذه رمزية فائقة بالنسبة إليها.

استعادت القوات الحضور في الشارع المسيحي، بعد تسونامي التيار منذ عام 2005


رسمت القوات خريطة طريق منذ اللحظة الأولى للتحضير للانتخابات، من خلال إعداد مجموعة من المرشحين في مختلف الدوائر التي تعول عليها، لتمتين قاعدتها الشعبية. واختيار مرشح واحد في الدوائر الاساسية، لحشد الأصوات وصبها في اتجاهه، ساهم في عدم شرذمة الأصوات القواتية والأهم عدم تحويل المعركة معركة داخلية بين مرشحين من الحزب نفسه، كما حصل مع التيار مثلاً. يمكن هنا التعويل على قدرة جعجع في التحكم بقاعدته وبأصواته ومرشحيه، على قاعدة الالتزام الحزبي وهو الأمر الذي ظهر في دوائر عدة ومن خلال تنظيم انتخابي متكامل. إضافة إلى ماكينة حزبية فعالة ونشاط وحضور في كافة الدوائر الأساسية. وهذا الأمر ليس تفصيلاً. إذ أثبتت القوات استعادة حضورها التنظيمي وجهازها الفاعل على الأرض، كحزب منظم له هيكليته، وله مرشحوه الذين تمسك بهم لدورات متتالية، من دون التخلي عنهم. وأضاف إليهم مجموعة من المرشحين المعروفين وغير المعروفين، فاستفاد من إمكاناتهم واستفادوا من إمكانه أيضاً.
ثالثاً، الانتقال من مرحلة الصعود النيابي إلى الحكومي. لا شك أن القوات تحرص دوماً على تأكيد أهمية عملها الوزاري في الحكومة الأخيرة. دأب جعجع على إظهار تجربة وزرائه من خلال عناوين مكافحة الفساد وعدم السماح بتمرير ملفات تحمل شوائب. من هنا يصبح الكلام عن مرحلة ما بعد الانتخابات بديهياً. لأن كتلة من 16 نائباً، يعني كتلة وزارية بحجم لافت، وحقائب أساسية لا مجرد توزيع حصص على الطوائف والأحزاب. لعل هنا رمزية المعركة الانتخابية، في ترجمتها عملانياً. ما الذي تريده القوات؟ وكيف ستترجم حصتها النيابية؟
الأكيد أن هناك طرفاً أساسياً يشارك القوات في نظرتها إلى حكومة وطنية جامعة، أي الرئيس نبيه بري، الذي لن يقبل بتفرد التيار الوطني الحر في الحصص المسيحية. طالما هناك قوى وأحزاب كالقوات والمردة والكتائب، أثبتت حضورها في الشارع المسيحي وبأصواتها ومن دون حلفاء. وطالما أن الهوة بفعل الخطاب الانتخابي للتيار توسعت بينه وبين بري. وما سكت عنه رئيس المجلس قبل الاستحقاق الانتخابي لن يسكت عنه في تشكيل الحكومة. وما نسجته القوات مع بري منذ قانون الانتخاب قد يجد له ترجمة في حليف يقف معها للمطالبة بـ«حقوقها الوزارية» وتمثيلها في الحكومة بحصة وزارية وازنة.