المناصفة في البقاع الغربي تحققت كما كان متوقعاً. لكن ذلك لا يعني أن تحت هذا العنوان لم يكن هنالك مفاجآت كبيرة. حصول عبد الرحيم مراد على النسبة الأعلى من الأصوات التفضيلية ليس من ضمن هذه المفاجآت. ماكينته الانتخابية كانت تراهن على ذلك، معتمدة على توزيع الأصوات المستقبلية بين المرشحين زياد القادري ومحمد القرعاوي. ومع ذلك لم يكن واضحاً إن كان هذا الرهان مبنياً على حسابات واقعية أم على تمنيات، خصوصاً أن حصول لائحة الغد الأفضل على حاصلين فقط كان يمكن أن يضع مراد في خانة الخطر.

ما حصل فاق كل التوقعات. النتيجة النهائية أسفرت عن فوز ساحق لمراد. هو لم يكتف بالتفوق على كل منافسيه، إنما حصل على ما يقارب ضعف أصوات مرشحّيْ تيار المستقبل معاً. فقد حصل على 15111 صوتاً مقابل حصول منافسيه محمد القرعاوي وزياد القادري معاً على 17160 صوتاً. أما فردياً، فقد تخطى كلاً منهما بنحو 7000 صوتاً.
استطلاعات الرأي كانت تشير إلى أن لائحة مراد ستنال 2.7 حواصل، ما يعني أن النتيجة ستكون 3 – 3.
تلك استطلاعات لم يصدقها المستقبليون، لا بل استخفوا بها، انطلاقاً من أن إحصاءاتهم تشير إلى أن لائحة المستقبل للبقاع الغربي تضمن أربعة حواصل، وتعمل للحصول على الخامس.
ما حصل فاجأ الطرفين. لم تحتج لائحة مراد للكسر الأعلى كي تنال المقعد الثالث. حصولها على 32578 صوتاً من أصل 64.395 صوتاً (بعد حسم 1546 صوتاً حصلت عليها لائحة المجتمع المدني) أهّلها للحصول على 3.035 حواصل. يبقى للائحة المنافسة 31817 صوتاً، أي 2.964 حاصل. الأمر معكوس إذاً. من احتاج للاستلحاق كان المستقبل وليس الغد الأفضل. ومن حصل على العدد الأكبر من الأصوات كان مراد لا تيار المستقبل. ذلك خلط كل الأوراق، وأزاح المستقبل عن زعامة البقاع الغربي ليحل محله عبد الرحيم مراد، بعد 13 سنة من السيطرة الكاملة للتيار الأرزق.
الأهم من ذلك كله، أن مراد لم يحقق هذا الرقم القياسي بالاعتماد على رافعة الصوت الشيعي كما كان يُتوقع (توقعات المستقبل كانت ترهن فوز مراد بتجيير عدد وازن من الأصوات الشيعية له). تفوقه في كل القرى السنية تقريباً حسم المعركة سريعاً، فيما لم ينل في القرى الشيعية أكثر من الأصوات التي اعتاد الحصول عليها (2192 صوتاً). وهذا يعني أنه حتى لو حسمت الأصوات الشيعية والدرزية (1290 صوتاً) من حصة مراد، لما كان تغير شيء في بقائه في صدارة الترتيب.
لم تقتصر المفاجأة على العدد الإجمالي للأصوات. المقعد السني الذي آل إلى المستقبل لم يذهب إلى مرشحه الحزبي زياد القادري، بل إلى المرشح محمد القرعاوي، الحليف السابق لمراد (2009)، والمنضم قبيل الانتخابات إلى كتلة المستقبل. ذلك ليس تفصيلاً. كل التوقعات لم تتحسب لاحتمال كهذا.

مرشحو 8 آذار في 2009 يفوزون بانتخابات 2018


من العناوين التي وضعها تيار المستقبل لمعركته في المنطقة، يتبين أن الخسارة كانت مذلة. الأولوية كانت لهزيمة «الديناصور»، على ما اختار الرئيس سعد الحريري في وصفه لمراد، ولذلك لم يترك الحريري ولا ابن عمته أحمد، الذين زارا المنطقة مراراً، سلاحاً إلا واستعملاه لمواجهة مراد. لكن حتى التهويل بأن لائحة الغد الأفضل هي لائحة بشار الأسد وبأن التصويت يهدف إلى منع الإساءة للرئيس رفيق الحريري، لم يؤد إلى أي تعديل بالمزاج العام المتغير في المنطقة.
الفشل جاء مضاعفاً لأن فوز مراد اقترن بخسارة المرشح الملتزم في التيار لمصلحة مرشحين طارئين، كانا بالأمس خصمين، أي القرعاوي وهنري شديد.
هنري شديد تمكّن من الفوز على رغم حصوله على 1584 صوتاً فقط. هو صاحب المقعد الثالث في اللائحة، بعد وائل أبو فاعور الذي ظل خارج المنافسة وتمكن من الحصول على 10677 صوتاً، والقرعاوي صاحب المركز الثاني في اللائحة.
بحسب القانون، يبدأ احتساب حصة اللوائح انطلاقاً من صاحب النسبة الأعلى من الأصوات التفضيلية. وعليه، فاز بالتسلسل عبد الرحيم مراد، ثم وائل أبو فاعور، فمحمد نصر الله، يليه محمد القرعاوي. وعلى رغم أن زياد القادري كان صاحب خامس أعلى معدل، إلا أن استنفاد المقاعد السنية المخصصة للدائرة (مقعدان)، جعل المقعد الأخير في اللائحة يذهب إلى شديد، بعدما آل المقعد الثالث في لائحة الغد الأفضل إلى إيلي الفرزلي الذي تمكن من الحصول على 4899 صوتاً.
الفرزلي الذي يعود إلى النيابة بعد غياب استمر منذ عام 2005، حقق ما كان متوقعاً. فهو، منفرداً، تمكن من الحصول على عدد من الأصوات يتخطى عدد الأصوات التي حصل عليها كل المرشحين المسيحيين الآخرين في كل اللوائح (5 مرشحين بمن فيهم شديد).
استعادة سريعة لانتخابات عام 2009، تؤدي إلى الاستنتاج أن لائحة 8 آذار التي خسر كل مرشحيها آنذاك (مراد، الفرزلي، القرعاوي، شديد ومرشح حركة أمل آنذاك ناصر نصرالله)، تمكنت في عام 2018 من قلب الخسارة إلى فوز بخمسة مقاعد مقابل مقعد وحيد لـ14 آذار (أبو فاعور).