لم تؤثر في ديانا مصطفى السخرية والإنتقاد اللاذع اللذان لاحقاها في بلدتها معركة (قضاء صور)، عندما كان أهل القرية يشاهدونها محتضنة آلة العود. «بقي العود مؤنسي الوحيد»، تقول، ولم تصبح «راقصة خلاعية»، كما توقع لها المنتقدون. لا تذكر أن هناك «مراحل أولى» لعلاقتها بالموسيقى، «فقد وُلدتُ في الكويت في بيت أحب الموسيقى. تعلّم والدي البيانو على يد أستاذ ايطالي، ومنه ورثت صوتاً جميلاً. بعد عودتنا الى لبنان عام 1997، انتسبت وشقيقي العازف راجي مصطفى إلى المعهد العالي للموسيقى حيث حصلت على الدبلوم، وتخصصت في العود، إضافة الى تعلّم الغناء الشرقي».

بالنسبة إلى مايسترو «كورال مؤسسات الإمام موسى الصدر»، الموسيقى «أبعد من الترفيه. هي محاولة لتحسين الذوق العام»، ولذلك المطلوب إخراجها من صالات النخبة وجعلها متاحة للجميع، خصوصاً في الجنوب الذي يفتقد إلى أساتذة متخصصين.
عام 2004، انتسبت إلى قسم التربية المختصة في «مؤسسات الإمام موسى الصدر» وعملت على تكريس أهمية الموسيقى في العملية التعليمية. بعد عامين، بدأت مرحلة التأسيس الفعلي للكورال بعدما اكتشفت أصواتاً جميلة بين الطالبات «يُفترض أن توضع في إطار عملي جميل».

الإقبال على التعلم دفع إلى إنشاء كورال رديف لتدريب 70 فتاة أخرى

يضمّ الكورال اليوم سبعين فتاة تتراوح أعمارهن بين 7 و18 عاماً. الموسيقى، بالنسبة إلى هؤلاء، لا تمثل هواية فحسب، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتهن. إذ أن «كثيرات منهن من القسم الرعائي في المؤسسة، وهنّ إما يتيمات أو تعشن أوضاعاً إجتماعية صعبة. لذلك تشعرن بأنهن تأخذن الفرح وتعطينه من خلال الموسيقى. ساعات طويلة تقضيها الفتيات للتدرب على الأداء، ورغم أن هذه عملية متعبة، وقد يستغرق الأمر عامين قبل أن تعتلي إحداهن المسرح، إلا أنهن تصررن على المثابرة». رغبة فتيات المؤسسات وإقبالهن على التعلم «دفعنا إلى إنشاء كورال رديف لتدريب سبعين فتاة أخرى».
تشير المايسترو إلى زاوية في غرفة الموسيقى الإحترافية حيث تعرض دروع وجوائز، أبرزها «جائزة مسابقة زكي ناصيف لجوقات المدارس» التي ينظمها «برنامج زكي ناصيف للموسيقى» في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي نال فيها الكورال المرتبة الأولى مرتين، حتى أُطلق على الفتيات المشاركات لقب «روح الفرح» في المسابقة السنوية. كما يشارك الكورال في مناسبات وطنية ودينية، لا سيما في عيد الميلاد، فتجوب الفتيات مع مدربتهن أنحاء لبنان وتتنقلن بين الكنائس والأديرة والجامعات والمدارس، تغنين «وطني بيعرفني»، وتؤدّين «تعلى وتتعمر يا دار»، مؤكّدات أن الموسيقى لغة حبّ ووسيلة علمٍ وغذاء روح. آخر أبرز استعراضاتهن، مشاركتهن في 18 كانون الثاني الماضي في حفلة للأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج الذي دعا الكورال إلى إحياء الحفلة بعدما «أعجب بثبات الصوت ورقي الأداء وشغف الفتيات المشاركات».


أهداف عدة، بحسب مصطفى، تكمن وراء إهتمام «مؤسسات الصدر» بمادة الموسيقى، أوّلها أنها «تسعى إلى تأهيل الفتيات لا فقط تعليمهن، خصوصاً في القسم الرعائي، نفسيّا وثقافيّا وإجتماعيّاً. فالموسيقى هي غذاء لروحهن وتنمية لثقتهن بنفسهن وتدريب لهن على العمل سويّة». وإلى الكورال، تعتمد المدرسة منهج التعلم بالموسيقى وبخاصة في قسم الاحتياجات الخاصة. مع إفتتاح هذا القسم جرى تعاون مع الكتيبة النرويجية في قوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة، لإدخال مشروع التعلم بالموسيقى ما يساعد الأطفال على إستيعاب المناهج إلى جانب فوائد أخرى، وتطلّب ذلك تدريب المعلمات لمدة 3 سنوات». إلى جانب الأهميّة العلمية، تلفت ديانا الى أن مادة التربية الموسيقية ساهمت في إكتشاف عدد من المواهب خصوصاً بين الأطفال في قسم التربية المختصة.
فتيات الكورال إما يتيمات أو تعشن أوضاعاً صعبة وتشعرن بأنهن تأخذن الفرح وتعطينه من خلال الموسيقى


لا تنكر المايسترو أن هناك أصواتاً تنتقد الكورال والنشاطات الموسيقية في «المؤسسات» لأسباب دينية أو إجتماعية، إلا أن هذا «لا يؤثر على القرار العام في المضي بها لإدراك الإدارة أهمية هذا النوع من النشاطات الثقافية في المنطقة». تؤكد أن الواقع «يخالف الصّور التي تنتشر حول مدينة صور ومحاولات صبغها بألوان تعصب وإنغلاق إذ أن معظم المدارس باتت تهتم بمادة الموسيقى وباتت لديها فرق، وأصبح أهالي المنطقة يبحثون عن ما يطوّر مواهب أبنائهم». تقول مبتسمة: «في العقد الماضي كنت الفتاة الوحيدة في منطقة صور التي تخرجت من المعهد العالي للموسيقى. اليوم هناك فتيات كثيرات منتسبات إلى المعهد». وهي سعيدة بذلك، لأن «الموسيقى يجب أن تكون ثقافة عامة للجميع إلى جانب كونها أداة للتعليم. وهذا لا يحصل إلا انطلاقاً من المدارس».