من الصعب تخطي ما أفرزته الانتخابات النيابية، من دون التوقف عند النتيجة التي حققها حزب الله في مجلس عام 2018. والنتيجة هنا لا تعني الأرقام غير المسبوقة أو الأعداد التي حصل عليها الحزب وحلفاؤه، كنتيجة رقمية فحسب. ومن لا يشاطر الحزب رؤيته، يتوقف عند انعكاسات ما حققه من دخول مظفر إلى مجلس النواب، عطفاً على سلسلة مواقف أعلن عنها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله قبل الانتخابات وبعدها.

من المفيد استعادة إصرار الحزب على الدخول إلى المجلس في حصة صافية مع حركة أمل، بحيث يحصد مقاعد الطائفة الشيعية. وترافق ذلك مع كلام متكرر في خطب الحزب وأمينه العام، على أهمية حضور الحزب في مؤسسات الدولة وإدارة الحكم وفي التعامل مع ملفات الدولة كلها، في إطار نيته محاربة الفساد. هذه الرغبة في الدخول في صلب العمل المؤسساتي، في خضم تضييق دولي على الحزب، وعلى مشارف صراع غربي متجدد مع إيران، على خلفية الاتفاق النووي والوضع في سوريا، جاءت لافتة في توقيتها وفي توجيهها إشارات معبرة لحلفاء الحزب وخصومه وللمجتمع الدولي على السواء.
لا يمكن قراءة تحقيق الحزب هدفه من دون الأخذ في الاعتبار مسار الحزب السياسي، في السنوات الأخيرة، التي عمل فيها على تعزيز حضوره الداخلي، من خلال الاتفاقات والتفاهمات التي عقدها مع القوى الحليفة كالتيار الوطني الحر وحتى مع خصومه كتيار المستقبل، بإرسائه تهدئة تحت عنوان سني ــــ شيعي، وصولاً إلى التسوية الرئاسة والحكومية الأخيرة.
وحصول الحزب اليوم مع حركة أمل على الحصة التي كان يرمي إليها شيعياً، مع التحالفات التي عقدها مع أحزاب وشخصيات سياسية متنوعة، يعني في الدرجة الأولى قدرة الحزب على التحرر الكامل من كل التفاهمات التي احتاجها سابقاً للتحكم سلباً أو إيجاباً في المجلس النيابي. وهو الأمر نفسه الذي كانت تحتاجه القوى السياسية التي تحالفت معه. ما يعني أن التفاهم مع التيار الوطني الحر، قد لا يعود من الضرورات القصوى، في ظل أي متغيرات جذرية تصيب الواقع السياسي الجديد. فإضافة إلى التباينات السياسية مع التيار، والخلافات التي تحكمت بين الأخير والرئيس نبيه بري، يمكن رسم مشهد سياسي مختلف عن السنوات السابقة. فحاجة الحزب إلى التيار والعكس صحيح، جعل الطرفين يتخطيان كثيراً من المسائل الشائكة ويتقاطعان في تمرير أو تعطيل أي محطات سياسية بارزة، على غرار ما حصل في انتخابات رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، كما في غيرها من الملفات الأساسية. وبصرف النظر عن أي اتفاق حول شخص العماد ميشال عون، تلاقت مصلحة الحزب مع مصلحة عون في تعطيل المجلس، حين لم يكن قادراً على تعطيله وحده، وصولاً إلى الاتفاق على رئاسة الجمهورية. وتجربة السنوات الأخيرة، والأشهر الأخيرة تحديداً، ساهمت في تعميق الرغبة في التحرر من عبء تفاهم بات يزيد من خلافات الحزب مع حلفاء وأصدقاء مسيحيين ومسلمين، الرئيس نبيه بري والمردة والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب التقدمي الاشتراكي، من دون التخلي عنه لأسباب استراتيجية وموضوعية. فيما ينظر بحذر إلى ازدياد منسوب التنسيق بين التيار والمستقبل، ولو أنه متفهم لأسبابها المتعلقة بعقد صفقات وتسويات نفطية ومالية.

المشهد المقبل عند أي تحد سيضع الحزب وأمل وحلفاءهما في المجلس في خندق واحد


اليوم اختلف الوضع. صحيح أن لا رئاسة للجمهورية في المدى المنظور، لكن الحزب بات قادراً على التفلت من تفاهماته السياسية حين تصبح عبئاً عليه أو حين لا تعود حاجة ضرورية، عند مقاربة أي ملف حساس، بعدما عاش سنوات على إيقاع التيار. وأصبح الحزب قادراً مع حلفائه، على أن يشكل حالة ثقل أساسية في المجلس النيابي، سنشهد أول انعكاس مباشر لها في تشكيل الحكومة وفي تقاسم حصصها. ويخطئ من يعتقد أنه لن يكون له فيها كلمة فاعلة، وأنه سيبقى متفرجاً على تفاهم المستقبل والتيار لاستفراد الآخرين. ناهيك عن دخول الحزب بقوة على الحياة السياسية والاقتصادية من بابها الواسع متحرراً من أعباء تحالفات وتفاهمات ظل إلى اللحظة الأخيرة يحاول التعامل معها، من منظار خاص.
وفي حين تمكن الحزب من الخروج من مأزق التفاهم وحصريته من خلال نسج شبكة واسعة من التحالفات، لا يبدو التيار الوطني على طريق استيعاب حجم هذا المتغير، خصوصاً أن التيار بنى قاعدته الأساسية في الانتخابات، مضاعفاً عدد خصومه المسيحيين والمسلمين على السواء. وهذا تماماً ما يجعله يسير عكس التيار الذي يسير فيه حزب الله. والمشهد المقبل عند أي تحد أو استحقاق أساسي، سيضع الحزب وأمل وحلفاءهما في المجلس في خندق واحد، ولن يكون التيار معهم، بعدما بات على خصومة كاملة مع جميع حلفاء الحزب وجميع القوى المسيحية الأخرى. ولأن رئاسة الجمهورية اليوم، ليست هي نفسها رئاسة ما قبل الطائف، يفترض الأخذ في الاعتبار أن ما حصل من متغير كبير في مجلس عام 2018، لا يتمثل فقط في تحقيق كتلة كبيرة إلى جانب الرئيس القوي. لأن الإنجاز الأكبر هو ذلك الذي حققه حزب الله، وعليه يمكن للقوى الأخرى أن تستعد كي تلعب دوراً مختلفاً عن الذي لعبته حتى الآن في مجلس 2009.